ماريا أورونيا في "القطرس الأسود".. تواطؤ التحقيق البوليسي والتخييل التاريخي

09 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 15:14 (توقيت القدس)
الموقع الإلكتروني لدار النشر (تصميم: العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- حققت رواية "القطرس الأسود" للكاتبة ماريا أورونيا نجاحاً كبيراً في إسبانيا، حيث تصدرت قائمة الكتب الأكثر مبيعاً بفضل خلطة أدبية تجمع بين التخييل التاريخي والغموض البوليسي والمغامرة البحرية والتوثيق العلمي.

- تتميز الرواية بسرد متشابك يعزز عنصر المفاجأة والتوتر، مع تقديم خلفية ثقافية وتاريخية غنية لمدينة فيغو وخليجها، مما يضفي بُعداً واقعياً ويعكس التراث المحلي.

- استخدمت أورونيا أسلوباً أدبياً يجمع بين اللغة السلسة والوصف الدقيق، مما ساهم في نجاح الرواية تجارياً وتصنيفها ضمن الأكثر مبيعاً.

تتصدّر رواية "القطرس الأسود" للكاتبة الإسبانية ماريا أورونيا الكتب المعروضة في المكتبات ولدى باعة الصحف والأكشاك في إسبانيا، إذ أدرجتها شركة GfK، بعد وقت قصير من صدورها في مارس/آذار 2025، ضمن فئة الأعمال الأكثر مبيعاً "البيست سيلر"، بعدما وصلت طبعاتها، في ظرف قياسي لا يتعدى عشرين أسبوعاً، إلى الطبعة الرابعة، علماً أن الطبعة الأولى بدأت بـ75 ألف نسخة، حسب الموقع الرسمي للكاتبة.

ما هي، إذن، الخلطة السرّية التي استعملتها أورونيا لتحقيق هذا النجاح الجماهيري؟ وهل تتحرك الرواية في تلك المناطق المعبّدة الجاهزة التي يشير إليها الدارسون والنقّاد، مثل الروايات التي تراهن على التحقيق البوليسي أو الجاسوسية أو الإيروتيكية أو الفانتازيا أو الخيال العلمي؟

من الواضح أن قارئ الرواية سيدرك، بمجرد الانتهاء من القراءة، أن الروائية أخذته باحترافية كبيرة إلى الغوص في ماضي مدينة فيغو الساحلية، والسفر به عبر الزمن إلى القرن الثامن عشر، وفي الوقت نفسه تمكينه من اكتشاف الحاضر بعين فاحصة ومدققة (عين المحقّق والمفتشة)، كما سيدرك أن أورونيا مزجت بذكاء بين عناصر أدبية متعددة وجذّابة، إذ جمعت في هذا العمل بين التخييل التاريخي والغموض البوليسي والمغامرة البحرية والتوثيق العلمي، وهو ما يتيح للقراء الاستمتاع بألغاز التحقيقات في الحاضر، وفي الوقت نفسه الغوص في تاريخ السفن الغارقة، وعلى رأسها "القطرس الأسود".

سرد يحافظ على المفاجأة والتوتر ويقدّم تجربة معرفية

إضافة إلى المنحى البوليسي للرواية، الذي يلعب دور "مهيمنة النص"، فإنّ الفضاء يأخذ أيضاً دوراً محورياً في تعزيز جاذبية الرواية، إذ تُقدّم المؤلّفة مدينة فيغو وخليجها بوصفهما خلفيتين ثقافيتين وتاريخيتين تضفيان على التخييل بُعداً سردياً واقعياً، من خلال الكشف عن التراث البحري الغني والمغمور للمنطقة، فضلاً عن شدّ انتباه القرّاء الإسبان إلى تراثهم المحلي.

ولا جدال في أن أورونيا قامت بعمل توثيقي شامل تجسّد في إعادة بناء الفترة التاريخية على نحو متماسك ومقنع، إلى درجة أن السرد ينقطع أحياناً أمام الشروحات المطوّلة أو التفاصيل الدقيقة، ما أدّى أحياناً إلى إضعاف الإيقاع السردي، ووضع القارئ أمام بحث تاريخي هو أقرب إلى الدراسة التوثيقية منه إلى السرد الحكائي.

الكاتبة الإسبانية أثناء توقيع روايتها في يوم الكتاب العالمي ببرشلونة، 2025 (Getty)
الكاتبة الإسبانية أثناء توقيع روايتها في يوم الكتاب العالمي ببرشلونة، 2025 (Getty)

معنى ذلك أنَّ رواية "القطرس الأسود" تتجاوز الخطاطة البوليسية التي تبحث دائماً عن كشف الجريمة، نحو دراسة عميقة للتاريخ والإنسان والهوية، إذ تبدأ أحداثها في الحاضر بموت غامض لمؤرخة بحرية مسنّة كانت تحقق في كنز أسطوري مرتبط بسفينة غارقة (القطرس الأسود)، وهو ما يضع المحقق بيترو ريفاس والمفتشة ناغوري فْريير أمام شبكة معقّدة من الألغاز.

يمثلان في الرواية الصوت العقلاني الساعي إلى فكّ شفرات الماضي وألغازه، بينما يحافظ الموت الغامض للمؤرخة البحرية على عنصر التشويق ويُبقي القارئ في حالة ترقّب مستمر.

جمعت بين اللغة السلسة والوصف الدقيق للمكان والزمان

في الماضي، نلتقي بميراندا دي غويروغا؛ الشابة العائدة من أميركا الجديدة، المهتمة بعلم الحشرات، والتي تتعرض لضغوط الزواج التقليدي، لكنها تجد نفسها منخرطة في أحداث تاريخية بحرية تشمل معارك ساحلية، إضافة إلى غرق السفينة الأسطورية "القطرس الأسود" التي تحمل الكنز الغامض.

يسهم ذلك في بناء شبكة من الألغاز تربط القارئ بالسرد نفسياً وعاطفياً، وتدعوه إلى ملاحقة الأبحاث والاستنتاجات التي يفضي إليها التحقيق، كما أنّ الشخصيات التاريخية الأخرى، مثل هيدالغو ونذير حجّابي والراهب القرصان، تضفي بُعداً أوسع للصراع بين الطموح الشخصي والتقاليد، وتبرز في الوقت ذاته الارتباط الوثيق بين المجتمع والبحر في الماضي والحاضر.

هذا الانتقال بين الماضي والحاضر يطرح بعمق أسئلة حول أثر التاريخ على الحاضر، وكيفية استمرار الأسرار القديمة في تشكيل حياة الأفراد والمجتمعات. فكل حدث، سواء أكان غرق السفينة أم اكتشاف أثر صغير على يد المحقق أو المفتشة، يصبح رمزاً لقوة التاريخ القاهرة وتأثيراته المستمرة، كما يعكس قدرة الرواية على تحويل المكان إلى عنصر فاعل يسهم في تشكيل الحبكة وإضفاء عمق واقعي على السرد؛ إذ يشكّل ساحل فيغو وجزر سييس والموانئ القديمة عناصر بيئية تتيح للقارئ فهم السياق الاجتماعي والثقافي والاقتصادي الذي تتحرك فيه الشخصيات.

هذا الاستخدام الذكي للكرونوطوب (الزمان/ المكان/ حركة الشخصيات) يعكس اهتمام أورونيا بالتفاصيل الواقعية والتاريخية التي تجذب القارئ من خلال سرد متشابك يحافظ على عنصر المفاجأة والتوتر، ويقدّم في الوقت نفسه تجربة معرفية حول التراث البحري والغاليسي، والمعارك التاريخية، والعلاقات الاجتماعية في القرنين الثامن عشر والحاضر.

يمكن القول إنّ رواية "القطرس الأسود" تقدّم نموذجاً للأدب الإسباني الحديث الذي يراهن على الجمع بين المتعة القرائية والبعد الثقافي والفكري، إذ تتفاعل الشخصيات، بتعدّد أبعادها وتعقيدها النفسي، لتخلق تجربة قراءة غنية ومتعدّدة الطبقات، تجعلها أكثر قرباً من الواقع وأكثر قدرة على إشراك القارئ في التجربة الإنسانية، ودفعه نحو الاستمرار في البحث عن الإجابات والحلول التي يطرحها التحقيق البوليسي.

ومن أوجه القوة في الرواية الأسلوب الأدبي الذي استخدمته أورونيا، إذ جمعت بين اللغة السلسة والوصف الدقيق للمكان والزمان، وركّزت على الحوارات الداخلية (الاستبطان) التي تعكس التحولات النفسية للشخصيات، ما أفضى إلى اعتماد لغة سردية تقوم، في كثير من الأحيان، على المجاز لإضفاء جمالية على الغموض.

وإذا كان من غير الممكن تجاهل الدعم التسويقي والنجاح التجاري المبكر في تصنيف الرواية ضمن الأكثر مبيعاً في إسبانيا، فإنَّ القراءة النقدية تنبئنا بأن الخلطة الجذابة والمتكاملة التي اعتمدتها أورونيا، وهي "سر الأسرار" في هذا النجاح، تكمن في الجمع بين عناصر عدّة: القصة البوليسية، والتخييل التاريخي، والمغامرة البحرية، والتراث المحلي، والسرد المزدوج، والتوثيق العلمي، والانتقال بين الأزمنة، واللغة السهلة الدقيقة. كل ذلك أسهم في وصول الرواية إلى اعتلاء منصة الروايات الأكثر مبيعاً في إسبانيا.


* كاتب وشاعر من المغرب

المساهمون