استمع إلى الملخص
- في سيرتها الذاتية "حيوات في كتاب"، تكشف آتوود عن تأثير طفولتها في كندا على وعيها البيئي والنسوي، وتستعرض كيف شكلت تجاربها الحياتية أساساً لأفكارها الروائية.
- تقدم السيرة نظرة حميمية على حياتها العاطفية وعلاقتها مع غرايم غيبسون، وتُظهر أن الأدب انعكاس لحياة حقيقية وتجارب متراكمة.
تبرز مارغريت آتوود من بين الكتّاب الذين أعادوا تعريف الأدب في النصف الثاني من القرن العشرين، بصوتٍ يتجاوز الحدود الواقعة بين الخيال والواقع. فهي تبني عوالمها عند تخوم ما حدث وما قد يحدث، وبمعنى أدق، تستشرف المستقبل مما جرى وما يجري، في ما يمكن تسميته بـ"الخيال التنبّؤي" من "حكاية جارية"، التي أصبحت رمزاً للوعي النسوي العالمي، إلى "القاتل الأعمى" و"الوصايا"، تكتب كمن يختبر قدرة الحياة على النجاة من قسوة التجربة. ورغم انشغالها بالمصير الإنساني، ظلّت حياتها الشخصية تومض للقارئ من بعيد، كأنها سرّ النص الأخير.
اليوم، مع صدور سيرتها الجديدة "حيوات في كتاب: من قبيل السيرة الذاتية" (دبلداي، نيويورك، 2025)، نلتقي بالكاتبة الكندية لأول مرة ذاتاً وموضوعاً في آن، وهنا لا بد من أن نتساءل: عن أيّ حياة ستكتب؟ وهل ستكون الكاتبة التي أعادت تشكيل الوعي النسوي الحديث، أم الشاعرة المعروفة بلغتها الحادة ووعيها العميق، أم المنظّرة التي تابعت علاقة الأدب بالهوية الكندية والبيئة والمجتمع؟
خيال الذاكرة.. وذاكرة الخيال
يوحي عنوان الكتاب بأن ما عاشته الكاتبة لا يمكن اختزاله في حياةٍ واحدة، وهو ما تؤكّده عبارتها الكاشفة: "كل كاتبٍ كائنان على الأقل: أحدهما يعيش الحياة، والآخر يكتبها. ومع أن كل ما يُكتب لا بدّ من أن يكون قد مرّ بذهنهما أو خطر ببالهما، فإنهما ليسا متماثلين"، حتى إننا نجد توصيفها "من قبيل السيرة الذاتية" يعكس رفض فكرة الذاكرة المتماسكة، لصالح منظورٍ متعدّد ومراوغ للذات.
إن كل استعادةٍ للماضي، في جوهرها، ليست سوى إعادة تصوّر، أو ترجمة خائنة لما نظنّ أنه كان. فالتجربة لا تُستعاد كما حدثت بالضبط، بل كما ترسّبت في الوعي بعد أن مرّت من بوابات الزمن، فلوّنتها العاطفة وخصَّبها الخيال. ربما لذلك تبدو كل سيرة ذاتية، مهما بلغ صدقها، نسخةً محرّفة من الحقيقة. وآتوود، التي تعي هذا الخداع جيداً، لا تسعى إلى تجاوزه، بل تستثمره كأداة لفحص النوع نفسه، ذاك الذي كان منذ القرن الثامن عشر رافداً أساسياً للرواية الحديثة، من اعترافات روسو إلى ديفيد كوبرفيلد، وجين إير، قبل أن يتحوّل في العقود الأخيرة إلى ساحةٍ للتجريب، ومحاولة لفهم فكرة "الذات" المتبدلة في الأدب.
كل كاتبٍ كائنان على الأقل: أحدهما يعيش الحياة والآخر يكتبها
تقول في المقدمة: "أسافر عبر الزمن، وعندما أكتب يسافر الزمن من خلالي"، ونتيجة لهذا السفر تبدو "الذكريات دقيقة لكنها خيالية"، في إشارةٍ إلى الطبيعة الخادعة لفعل التذكر، واعتبار الذاكرة كتابةً ثانية للحياة. إنها تتحدث بضمير الراوية التي تعي المسافة بين "التي عاشت" و"التي تكتب"، وهو ما جعل مذكراتها في مجملها نسيج من الحكايات والملاحظات والاقتباسات والتعليقات، تنتقل عبر قماشته العريضة بحرية من ماضٍ إلى راهن إلى مستقبل غامض.
سفر التكوين
تقع المذكرات في 624 صفحة، وتبدأ من طفولتها، حيث نتعرف إلى ملامح عالمها الأول وسط غابات نوفا سكوشا وأونتاريو، في عزلةٍ شبه تامة عن المدينة. كانت، شأن أمها، فتاة صبيانية؛ لم تُهدَ في أعياد ميلادها قلادات كما غيرها من الفتيات، بل علب أعواد ثقاب معدنية وسكاكين صغيرة مصنوعة بإتقان. والدها، عالم الحشرات، كان يعمل ميدانياً في الغابات الشمالية، وهناك، وسط الأكواخ والخيام والأنهار والبحيرات، تعلمت الصيد والتجديف، وراقبت الفطر والضفادع والطيور، ما يعكس لاحقاً شغفها بتفاصيل الطبيعة الدقيقة في كتابتها. ولعل هذا الانغماس في الملاحظة الدقيقة أفضى أحياناً إلى صعوبة القراءة، وتباطؤ السرد، وضخامة حجم العمل.
منذ صغرها، تشكل وعيها بالعلاقة بين المرأة والطبيعة، وبالهشاشة التي تجمعهما أمام قوى السيطرة والتدمير. هذا الوعي سيتطور لاحقاً إلى ما يُعرف بالنسوية البيئية (الإيكوفيمينيزم)، التي ترى أن إخضاع المرأة والطبيعة ينبع من منطق الهيمنة الذكورية والعقلانية الاستعمارية، التي تتعامل مع العالم بوصفه مورداً أو جارية. ويشكل هذا الوعي امتداداً لمشروعها الروائي منذ روايتها المبكرة "البروز على السطح" (1972)، حيث تعود البطلة إلى الشمال الكندي لتكتشف أن خلاصها الشخصي لا ينفصل عن استعادة علاقتها بالطبيعة وبجسدها كأنثى. هناك أيضاً يظهر لأول مرة خيط العلاقة بين الذاكرة البيئية والذاكرة الأنثوية.
وفي ثلاثيتها؛ "أوريكس وكريك" (2003) و"عام الطوفان" (2009)، و"ماد آدم" (2013)، بلغت هذه الرؤية ذروتها، إذ أعادت تخيل نهاية العالم في ضوء التهديدات البيولوجية والرأسمالية والتقنية، فصاغت ما يشبه "لاهوتاً جديداً للطبيعة"، حيث ينهار الإنسان أمام مخلوقاته المصنوعة، فيما تنجو الكائنات الأقرب إلى الفطرة.
يكتسب الكتاب بعداً حميمياً حين يسرد جانباً من حياتها العاطفية
تبدو مسيرة آتوود بمثابة سجلّ لتطوّر الوعي الأدبي والفكري في النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. فمنذ روايتها الأولى "المرأة القابلة للأكل" (1969)، كشفت عن وعيٍ مبكر بمسألة الجسد الأنثوي كموضوعٍ ثقافي واقتصادي، مسائلةً آليات الاستهلاك والهيمنة التي تُحوّل الإنسان إلى سلعة. مع ذلك، تعترف أنها لم تكن نسوية ناشطة منذ البداية، لكنها بدأت تدريجياً تدرك مدى الاستهتار بالمرأة والطبيعة. الطفلة التي تعلمت أن تصطاد وتراقب وسط غابات كندا، إلى جانب أخيها، لم تدرك إلا لاحقاً أن تلك البرية كانت مرآة للحرية المهددة. تقول في أحد المقاطع: "الطبيعة لا تعرف العدالة، لكنها تعرف التوازن. ونحن نكسر التوازن كل يوم".
للحقيقة وجوه أخرى
تستعيد آتوود مشهداً مبكراً من حياتها، حين أدّت خلال عطلتها الصيفية في المخيم دور "الوحش" في مسرحية مدرسية. وصفت هذه التجربة لاحقاً بأنها لحظة محورية، إذ علّمتها أن لا أحد يثق بالوحش، وربما دفعتها إلى التفكير في أن تكون محققة أو محتالة، أو مزيجاً من الاثنين: روائية، على سبيل المثال.
مع انتقالها إلى تورونتو ومواجهة التنمّر، بدأت قدرتها على تحليل العلاقات الاجتماعية تتبلور، ما ألهمها مادة روايتها "عين القطة" التي تجسّد التسلسلات الهرمية المعقدة والقسوة الخفية في سياسات تلميذات المدارس وعادةً ما يغفل عنها الأدب.
أضافت المرحلة الجامعية بعداً فكرياً ونبرة نقدية للعالم، ممزوجة بالخيال والسخرية. فالكتاب لا يقتصر على سرد الذكريات، بل يوضح كيف نبتت أفكارها الروائية من أحداث حياتية: طفولتها في شمال كندا، تجاربها المدرسية، علاقاتها العاطفية المبكرة، ودراستها في تورونتو وهارفارد، حيث أصبح بحثها في محاكمات ساحرات سالم أحد المصادر الفكرية لروايتها "حكاية جارية".
إلى جانب ذلك، توازن آتوود بين حياتها وعملها، كاشفةً عن ربة بيت محبة للحياكة، بارعة في خبز الفطائر، تزيين الكعك، تنظيف الحديقة، ومراقبة الطيور كما لو أن لا شيء يؤرق عقلها. وتكتب عن هذه التفاصيل المنزلية بأسلوب مرح وساخر، مثل قولها "ما لا أعرفه عن تنظيف المراحيض لا يستحق المعرفة"، لتقدّم صورة "بيغي البيتية" جنباً إلى جنب مع الروائية التي توجت بجائزة البوكر مرتين، إضافة إلى قائمة طويلة من الجوائز امتدت لصفحة كاملة.
يكتسب الكتاب طابعاً أكثر حميمية حين يسرد جانباً من حياتها العاطفية، لا سيما علاقتها الطويلة مع غرايم غيبسون، الذي لم يكن مجرد شريك عادي، بل رفيق الحياة الذي تتقاطع فيه الجرأة مع روح الاستكشاف. آتوود، المتزوجة من رجل تتجادل معه حول أتفه الأمور، وغرايم الذي ارتكب خطأ الزواج من امرأة شريرة لا تتورّع عن ضربه، وجدا بعضهما في مسار مليء بالمغامرات، من التخييم في الغابات الشمالية، والتجديف في الأنهار، والسفر إلى أماكن نائية، وصولاً إلى رحلاتهما حول العالم. نتابع اللحظات الأولى للقاء غرايم، المحادثات الغرامية، التحديات العائلية والتعقيدات العاطفية، في حياة مشتركة امتدت نصف قرن.
لنا أن ندرك الفراغ الذي يتركه رحيل مثل هذا الرجل، أضف إلى ذلك وطأة العمر وأزماته الصحية، مع ذلك تقدّم آتوود في مذكراتها وصفة سحرية كيما تلتئم. قوامها الحرص على ملء جدولها بأنشطة مزدحمة لتملأ الفجوة التي أحدثها رحيله.ت
بدو هذه المذكرات امتداداً طبيعياً لمشروعها الأدبي، الذي طالما اختبر حدود الكتابة. كما تكشف أن الأدب ليس مجرد نتاج موهبة فحسب، بل انعكاس لحياة حقيقية وتجارب متراكمة، ما يجعلها دراسة غير مباشرة للإبداع في العصر الحديث. في الوقت نفسه، تُعد مساهمة بارزة في الأدب النسائي، إذ تقدم نموذجاً لكيفية كتابة المرأة لسيرتها دون الوقوع في فخ الاعتراف أو التبرير، بل عبر استعادة خبراتها كجزء من التاريخ الثقافي للإنسانية. من الناحية السياسية أيضًا، يتأمل النص السلطة في مستوياتها كافة: سلطة اللغة، وسلطة السرد، وسلطة الذاكرة، مقابل هشاشة كائن لا تحتمل خفته.
* كاتبة مصرية