مؤتمر "فلسطين وأوروبا" يختتم أعماله في باريس متحدّياً الضغوط

14 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 15 نوفمبر 2025 - 09:54 (توقيت القدس)
من المؤتمر (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- انعقد مؤتمر "فلسطين وأوروبا" في باريس وسط تحديات من لوبيات متطرفة، لكنه نجح في جذب حضور كبير، مما يعكس الوعي المتزايد في أوروبا حول القضية الفلسطينية.
- تناول المؤتمر مواضيع مثل التاريخ الاستعماري لأوروبا، تأثير المحرقة، العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، وتصعيد القمع ضد الأصوات المتضامنة مع فلسطين.
- اعتبر مدير المؤتمر سلام الكواكبي أن انعقاده كان انتصاراً على الجهل، وحقق متابعة واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، وسيُنشر في كتاب محكّم لإثبات موضوعيته.

على بُعد مئة متر من باب المركز العربي في باريس، حيث عُقدت، الجمعة، الجلسات الأخيرة من مؤتمر "فلسطين وأوروبا"، وقبل الدخول إلى مبنى المركز، كان ثمّة في الخارج، تحديداً أمام الباب، تجمّع كبير من الصحافيين والأكاديميين الذين يلتقطون صوراً للعتبة الموجودة أمام المدخل. تقدّمتُ مسرعاً، فإذا بها "خَربَشات" باللونين الأصفر والأزرق، كتبتها بعض الجماعات التي يبدو أنّ انعقاد المؤتمر قد أزعجها، فخرجت في المساء، على غرار الخفافيش، لتدوين كتابات من نوع: "معاداة الصهيونية تساوي معاداة السامية"، و"المركز العربي عميل حماس وقطر"، وأن "ألبانيزي عميلة حماس"، و"دومينيك دو فيلبان عميل حماس".

هي الادعاءات نفسها التي نشرتها مجلة "لو بوان" قبل أسبوعَين، بتوقيع إروان سيزنك وإسماعيل البوكوترو، وبضغط من لوبيات متطرفة رحّب بها وزير التعليم، إذ هاجموا المؤتمر بـ"تُهَم" من نوع إنّه "مؤيد للفلسطينيين" و"معادٍ للصهيونية".

جميع من دخل من باب المركز لحضور جلسات اليوم الثاني أو المشاركة فيه رأى تلك "الخربشات"، ثم دخل مبتسماً وقد غمره الفرح. الجميع هنا يعلم أن المؤتمر قد نجح، وأن انعقاده في موعده ووفق البرنامج المقرر، من حيث المشاركين، كان الرد الأمثل على هذا "الذباب الإلكتروني".

الكواكبي: انتصرنا على جهل وظلامية اللوبيات الإسرائيلية

لا شك أن هذه السلوكيات تُثبت أن قرار المنظّمين بعقد المؤتمر كان صائباً، وأن هذه الجماعات المتطرفة باتت اليوم أكثر خوفاً من أي وقت مضى، بسبب هذا الوعي الجديد الذي تشهده أوروبا. وهو ليس وعياً مرتبطاً بالسياسة بقدر ما هو نابع من الحراك الشعبي والرأي العام الذي صار يدرك النفاق الغربي وازدواجية المعايير، ولا سيّما حين يتعلق الأمر بفلسطين. هكذا، انطلقت عند التاسعة صباحاً أعمال اليوم الثاني والأخير من "مؤتمر فلسطين وأوروبا" في مقر المركز العربي بباريس، وسط حضور كبير في قاعة صغيرة بالكاد اتّسعت للحضور من مثقفين وصحافيين ومتابعين.

تناولت الجلسة الأولى "الماضي الاستعماري، الأعباء التاريخية، وتشكّل حركات التضامن مع فلسطين"، بمشاركة كلّ من الباحث والأكاديمي في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بلندن جلبير الأشقر، والباحث في جامعة بروكسل ألبارو أوليارت، والباحثة في جامعة روسكيلدا الدنماركية سون هاوبول. ترأست الجلسة فيرونيك بونتمبس، وتناول المشاركون فيها التأثير العميق للصدمة الأوروبية المرتبطة بالمحرقة، وكيف تُستخدَم سياسياً لتبرير الدعم لإسرائيل، وربطوا ذلك بتراث أوروبا الاستعماري وصعود أشكال جديدة من التضامن الشعبي مع الفلسطينيين داخل القارّة الأوروبية.

الجلسة الثانية جاءت بعنوان "شبكات التأثير والمصالح الاقتصادية"، وتحدّث فيها كلّ من بينيديتا فولتوليني، وشير هيفر، وكلارا داني وولفل، برئاسة ليلى سورا. وانشغل المتحدثون في تفكيك العلاقات المعقدة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، بما في ذلك دور اللوبيات المؤيدة لإسرائيل داخل المؤسسات الأوروبية، والمثال الأبرز كان اللوبي الذي نشط خلال الأيام السابقة وتواصل مع وزير التعليم، ومارس ضغوطاً أدّت إلى إلغاء عقد المؤتمر في الكوليج دو فرانس، كما تناولوا العلاقات المتشابكة في تجارة السلاح والتقنيات الأمنية، إضافة إلى واقع الشركات الأوروبية العاملة في الأراضي المحتلة ودورها في تعزيز بنية الاستيطان.

تمكّن المنظمون من إثبات موضوعيّتهم رغم حملة الادعاءات

وجاءت الجلسة الثالثة بعنوان "إسكات الأصوات الفلسطينية"، وشارك فيها كل من توماس فيسكوفي، وجنا الطاهر، وعمر جباري سلامنكا، وأدارها ألان غريش. وانطلق الباحثون من فكرة مشتركة مفادها اعتبار عام 2023 لحظةً مفصلية في تصعيد حملات القمع ضد الأصوات المتضامنة مع فلسطين. وتطرقت الجلسة الرابعة إلى "مسؤولية أوروبا من فشل أوسلو إلى تدمير غزة"، بمشاركة أندريا تيتي، وسونيا بولوس، وديميتريس بوريس، وترأستها إيميلو دابد. واختُتم اليوم بنقاش موسّع تحت عنوان "كيف تعيد فلسطين تشكيل أوروبا؟"، إذ تناول المتحدثون التحولات التي أحدثتها الحرب على غزة داخل أوروبا، وتأثيرها على المواقف الرسمية والرأي العام، ومستقبل موقع القضية الفلسطينية في المشهد الأوروبي.

في نهاية يوم أكاديمي طويل، بدا التعب على وجوه منظّمي المؤتمر، لكنهم جميعاً كانوا مسرورين، خصوصاً مديره سلام الكواكبي، الذي، رغم تعقيدات اليومين الفائتين، ظلّ مبتسماً طوال الوقت، يرحّب بالحضور ويستمع إلى مداخلات المحاضرين، ويبدو متفائلاً بإنجازه في إقامة المؤتمر رغم كل الضغوط. يقول لـ"العربي الجديد": "رغم الصدمة، ورغم محبتي لفرنسا وانتمائي الجزئي لها كوني مواطناً فرنسياً، أشعر أننا انتصرنا. انتصرنا على الجهل وعلى الظلامية التي واجهتنا، خصوصاً في مواجهة اللوبيات. في فرنسا نخشى استخدام كلمة لوبيات، لأننا فور استخدامنا لها نُتَّهم بمعاداة السامية. وهذا يدفع بعض الصبية إلى ممارسة تصرفات غير محسوبة. لكننا عقدنا المؤتمر. وقد بلغت مشاهداته على مواقع التواصل الاجتماعي أكثر من 250 ألف شخص. في الحقيقة لم نكن نتوقع هذا الحجم الكبير من المتابعة على مدى يومين. وكما يقول المثل: ربّ ضارة نافعة. لقد قدموا لنا دعاية مجانية. وصلتني آلاف الرسائل بالتهنئة من عرب وفرنسيين على وجه خاص، وجميعهم اعتبر أن هذا المؤتمر انتصار مهم، إنه انتصار معنوي ومعرفي وعلمي، خاصّة في فرنسا؛ فرنسا التي يسيطرون فيها على وسائل الإعلام كافة، والتي يخيفون فيها الأساتذة والأكاديميين، والتي تحوّل قضاتها إلى مكارثية جديدة. تصور أنه حُكم مؤخراً بالسجن على شخص لثمانية أشهر لأنه وضع علم فلسطين على شرفته، وشخص آخر لأنه نقل خطاب ديغول كما قاله عام 1967، فاعتُبر معادياً للسامية! تصور: أصبح كلام ديغول معادياً للسامية في زمننا الحالي. نحن نعيش مسرحية لم يكن كافكا قادراً على كتابتها بهذا الشكل".

وختَم: "بصفتي مديراً للمركز العربي في باريس أشعر أننا انتصرنا. وستُنشر أعمال المؤتمر في كتابٍ محكّم، لنثبت للجميع أننا علميون وأكاديميون وموضوعيون ونحترم الأسس العلمية. وهذا ما أثبته المؤتمر من حيث المحاضرين الذين جاؤوا من أصقاع الأرض كلها".

المساهمون