مؤتمر المركز العربي وكوليج دو فرانس.. الكلمة لم تعد حرة في فرنسا

10 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 12 نوفمبر 2025 - 14:54 (توقيت القدس)
تمثال العالم الفرنسي كلود برنار أمام مبنى "كوليج دو فرانس"، باريس، 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- ألغى معهد "كوليج دو فرانس" مؤتمراً مشتركاً مع المركز العربي للأبحاث في باريس بعنوان "فلسطين وأوروبا"، بعد ضغوط من لوبيات داعمة لإسرائيل، مما أثار تساؤلات حول حرية النقاش العلمي في فرنسا.
- بررت إدارة المعهد الإلغاء بالجدل وحرصاً على السلامة، رغم تنظيمها فعاليات مشابهة سابقاً، وأيد وزير التعليم العالي القرار، مما زاد الجدل حول تقييد النقاش الأكاديمي.
- أثار الإلغاء غضب الباحثين الذين اعتبروه تراجعاً عن الحرية الأكاديمية، محذرين من تأثير الضغوط السياسية على الأنشطة الأكاديمية المستقبلية.

يُروى أنّ الشاعر والفيلسوف الفرنسي بول فاليري، حين أوقفه أحد الضباط الألمان أمام بوابات "الكوليج دو فرانس" إبّان الاحتلال النازي، أجابه بثقة وهدوء: "هذا بيت تُمارَس فيه الكلمة بحرّية". يبدو أنّ مقولة فاليري لم تعد صالحة اليوم، إذا ما نظرنا إلى قرار إدارة معهد "كوليج دو فرانس"، التي أعلنت أمس بشكل رسمي عن إلغاء مؤتمر أكاديمي مشترك للجامعة مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – فرع باريس، كان مقرراً عقده يومي 13 و14 من الشهر الجاري تحت عنوان: "فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي وديناميات المعاصرة". وكشفت مصادر من منظمي المؤتمر لـ"العربي الجديد"، أنهم في صدد بحث نقل جلسات السيمنار العلمي - البحثي إلى مكان آخر في العاصمة الفرنسية.

بدأت القصة مع مقال صدر في المجلة الأسبوعية يمينية الهوى "لو بوان" يوم الجمعة الماضي، بتوقيع إروان سيزنك وإسماعيل البو-كوتيرو، هاجما فيه المؤتمر بتهم من نوع أنه "مؤيد للفلسطينيين" و"معادٍ للصهيونية وللكولونيالية". تبعت المقال حملة إعلامية ممنهجة في الصحف والمنابر الفرنسية هاجمت المشاركين في المؤتمر، منهم وزير الخارجية الفرنسي الأسبق دومينيك دو فيلبان، ومشاركين آخرين مثل جوزيب بوريل وعزمي بشارة ومزنة شهابي وغيرهم. 

وإلى جانب هذه الحملة الإعلامية، لم تفوّت الرابطة الدولية ضد العنصرية ومعاداة السامية (Licra) – المعروفة بدعمها القوي لإسرائيل في فرنسا – فرصة مهاجمة المؤتمر وضيوفه ومحاضريه، إذ وصفت الحدث بأنه "سيرك مناهض للصهيونية" و"تشويه لمؤسسة مرموقة". وأعلنت المنظمة صراحة أنها ستتواصل مع وزير التعليم العالي لممارسة الضغط الرسمي على الكوليج. يبدو أن ضغوط هذه اللوبيات كانت أقوى من قيمة الحرية التي قامت من أجلها الثورة الفرنسية. والدليل هو إصدار إدارة "كوليج دو فرانس" بياناً رسمياً وقعه مديرها توماس رومر أعلن فيه إلغاء المؤتمر، وهو قرار نادر بالنسبة لمؤسسة لطالما اعتُبرت منارة للحرية الفكرية.

وعلى الرغم من أن إدارة "كوليج دو فرانس" بررت قرار الإلغاء بسبب "الجدل المثار حول الحدث، وحرصاً على سلامة الأشخاص والممتلكات، وضمان حسن سير الفعاليات"، فإن هذه التبريرات تبدو ضعيفة عند النظر إلى السجل التاريخي للمؤسسة. فقد سبق للكلية تنظيم محاضرات ومؤتمرات بالتعاون مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ناقشت موضوعات حساسة تتعلق بالقضية الفلسطينية دون أن يثير ذلك أي قرار بالإلغاء.

تساؤلات حول حرية النقاش العلمي والفكر داخل مؤسسة عريقة

وفاقمت حدة الأمر تغريدة في منصة "إكس"، أيّد فيها فيليب باتيست، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، قرار المعهد الجامعي المرموق، واصفاً إياه بأنه "قرار مسؤول". تغريدة الوزير أعطت شرعية سياسية للقرار، ما أضاف بعداً جديداً للجدل: فبدلاً من حماية النقاش الأكاديمي وتسهيله، يبدو أن أعلى سلطة تعليمية في فرنسا حرّضت على تقييد النقاش إلى درجة أن باتيست اعترف، في إطار ترحيبه بقرار "كوليج دو فرانس"، بأنه كان على تواصل دائم مع مدير المعهد توماس رومر.

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن فرنسا قد اعترفت رسمياً بالدولة الفلسطينية، وهو موقف سياسي وقانوني يضع النقاش الأكاديمي حول فلسطين ضمن الإطار المقبول، ويقلّص أي حجج محتملة تعتبر هذه الفعاليات "تحدياً للدولة" أو "خروجاً عن السياسة الرسمية". بمعنى آخر، النقاش العلمي حول فلسطين لا يتعارض مع موقف فرنسا الرسمي، ولا يمكن اعتباره نشاطاً سياسياً محظوراً. فماذا لو لم تعترف فرنسا بالدولة الفلسطينية؟ لا شك أن المشهد كان سيبدو سريالياً، إذ كان النقاش الأكاديمي حول فلسطين سيواجه مخاطر أكبر من التدخل السياسي. وهذا يعني، بدوره، أن ما حصل أخيراً لا يعكس قاعدة مؤسسية أو قيداً على الحياد. إنه، في المقام الأول، استجابة لضغوط من لوبيات محددة، تجاوزت تأثيرها قدرة المؤسسة على الحفاظ على سياستها المعتادة في الحرية الأكاديمية.

وفي خضم هذا الجدل، أصدر كرسي التاريخ المعاصر للعالم العربي في "كوليج دو فرانس" والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – باريس بياناً مشتركاً أعربا فيه عن أسفهما العميق للقرار، معتبرين أن رضوخ إدارة الكوليج "لضغوط الوزير فيليب باتيست يهدد استقلال مؤسسة عريقة تأسست قبل أكثر من أربعة قرون، واحتضنت أبرز رموز الفكر الفرنسي من فوكو إلى بورديو". وحذّر البيان من أن ما جرى يخلق سابقة خطيرة، إذ قد يكفي في المستقبل مقال أو تغريدة سياسية واحدة لفرض رقابة على أي نشاط أكاديمي "حساس". كما أن تبنّي الوزارة، من دون أي تدقيق أو تمحيص، مزاعم صادرة عن وسيلة إعلامية أو عن منظمة مثل "ليكرا" يطرح سؤالاً جوهرياً: منذ متى أصبح للسلطة السياسية الحق في تحديد ما هو "علمي" وما ليس كذلك؟

تتقلص مساحة النقاش الحرّ حول فلسطين وسط توتر الخطاب العام

تطرح هذه الواقعة تساؤلات جدية حول مدى قدرة المؤسسات الأكاديمية الكبرى، حتى في فرنسا، على حماية حرية النقاش العلمي والفكر المستقل أمام تأثير اللوبيات الخارجية، وهو ما يمثل تحذيراً لمستقبل الحريات الأكاديمية في أوروبا.

ويرى كثير من الباحثين والمثقفين في الإلغاء تراجعاً مؤلماً عن جوهر الحرية الأكاديمية التي تأسس عليها الكوليج منذ القرن السادس عشر. في حين رأت بعض المؤسسات، مثل الجمعية العلمية لدراسة الشرق الأوسط والعوالم الإسلامية، أن هذا القرار يمثل اعتداءً خطيراً للغاية، وأن ما جرى ليس سوى عرضٍ من أعراض المناخ الفرنسي الراهن، حيث تتقلص مساحة النقاش الحرّ حول فلسطين وسط توتر الخطاب العام، وازدياد القلق من أيّ تعبير يُفهم باعتباره انحيازاً سياسياً.

لا شك أنّ ما يحدث هو انكسار رمزيّ أخطر: حين يصبح بيت الحرية نفسه خائفاً من الكلمة، فإنّ معنى الحرية يتبدّد من حيث بدأ. ربما لو عاد بول فاليري اليوم إلى بوابة "كوليج دو فرانس"، لقال لمديرها الحالي ولوزير التعليم عبارته القديمة بنبرة مختلفة، وبشيء من المرارة: "كان هذا بيتاً تُمارَس فيه الكلمة بحرّية".

المساهمون