ليلُ العالم في مرآة الكتابة

06 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:27 (توقيت القدس)
تفصيل من لوحة "غيرنيكا" لبيكاسو، متحف رينا صوفيا في مدريد، 6 يونيو/حزيران 2020 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الأدب في مواجهة العنف: يُعتبر الأدب وسيلة لمقاومة النسيان في زمن الحروب، حيث يطرح أسئلة حول البقاء الإنساني وصون الذاكرة وسط الدمار.

- الأدب كتجربة إنسانية: يتحول الأدب إلى مختبر لمعاينة حدود اللغة والتجربة، كما في الحرب العالمية الثانية، حيث يواجه العبث ويطرح تساؤلات حول معنى الحياة وصراع الذاكرة.

- الأدب كجسر ثقافي: يعبر الأدب الحدود ويشكل الوعي الجماعي، معتبراً الحرب ليست قدراً، مما يمنح الأمل ويكشف زيف الشعارات.

رافق الأدب منذ وجوده السؤال الآتي: ما الجدوى منه حيال الجوع والموت والدمار؟ هل يكون الأدب نوعاً من الترف، أم حاجة لا تقلّ ضرورة عن الخبز؟ نطرح هذا السؤال اليوم من جديد أمام العودة إلى العنف الخالص، وازدهار الحروب، والتلويح باستعمال السلاح النووي، وصعود اليمين المتطرّف في الغرب، وسقوط القوانين والمعاهدات والمواثيق الدولية التي أُرسيَت عقب الحرب العالميّة الثانية.

الحرب ليست تدميراً للأجساد والعمران فحسب، بل للمعنى نفسه أيضاً، للّغة، وللقدرة على تَخيُّل مستقبل غير الذي يبشِّر به الواقع الراهن. هنا يتقدّم الأدب بصفته مقاومة من نوع آخر. مقاومة النسيان والمحو وتجريد الإنسان من إنسانيته. فهو يوفّر مساحة للإنصات إلى ما يُطمَر تحت الأنقاض، وإلى الوجوه التي تُمحى والأصوات التي تتلاشى. صحيح أنّ الأدب لا يُطعم الجائع ولا يوقف القصف ولا يغيّر موازين القوى، لكنّه يطرح أسئلة جوهريّة منها: كيف نبقى بشراً وسط العنف؟ كيف نصون هشاشتنا وذاكرتنا؟

معنى الأدب في زمن الويلات ليس فقط مسألة أخلاقية أو وجدانية، بل سؤال فلسفي وتاريخي أيضاً. حين نتأمّل ما جرى في الحرب العالمية الثانية، ندرك كيف تحوّل الأدب إلى مختبر لمعاينة حدود اللغة والتجربة الإنسانية معاً. وقد انبثقت في تلك الحقبة تيّارات ومدارس فكرية متعدّدة، من أبرزها الوجودية مع جان بول سارتر وألبير كامو. ورغم ما بينهما من اختلافات، فقد اشتركا في رؤية أساسيّة أنّ العالم بلا معنى جاهز، وأنّ الإنسان يواجه العبث وجهًا لوجه، وأنّ المنفذ لا يكون في الهروب بل في المواجهة.

حين تقع الحرب، فإنها تفرض على الأدب أن يعيد تعريف ذاته

عندما نختبر أقصى درجات التدمير المادي والروحي، تجد اللغة نفسها أمام تحدٍّ كبير: هل في استطاعة الكلمات أن تقول ما يتعذّر قوله؟ حين تقع الحرب، فإنها تفرض على الأدب أن يعيد تعريف ذاته. ولم تعد الحرب حدثاً استثنائيّاً، بل صارت واقعاً متواصلاً، كأنّ العالم لم يتعلّم شيئاً من أهوال القرن العشرين. وفي مواجهة هذه الكارثة المتكرّرة، لا تكون مواقف الأدباء متجانسة بالضرورة. ففي حين اختار كامو وسارتر المقاومة رغم عبثيّة العالم، أقدمَ الكاتب النمساوي ستيفان زفايغ على الانتحار، أي أنه لجأ إلى الانسحاب الكامل والنهائي، كما لو أنه سلّم بأنّ الثقافة فقدت دورها، بعدما رأى أوروبا كيف تتهاوى تحت ضربات القومية والفاشيّة والقتل الجماعي.

نحن الآن أمام مفترق تاريخي يشبه ما عاشه كتّاب القرن العشرين، لكن بشكل أكثر اتساعاً. لم يعد الخراب محصوراً في قارّة واحدة، بل صرنا في عالم مترابط، تُنقل صور دماره في كلِّ آن، وتنعكس ارتداداته على الجميع. الأدب ينظر إلى المأساة في عمقها الإنساني. ولذلك فهو يحفر في الذاكرة ويفتح فرجة في جدار، متجاوزاً المكان والزمان. حتى الآن، نرى في "الإلياذة" و"الأوديسة" ملامح من وجوهنا. من الماضي البعيد، إلى القرن العشرين وما تلاه، يطالعنا الجحيم الأرضيّ في الشعر والرواية والمذكّرات. نذكر منها، على سبيل المثال، "رحلة في أقاصي الليل" للكاتب الفرنسي لْوي فردينان سيلين، و"الكتابة أو الحياة" للكاتب الإسباني خورخي سيمبرون الذي التحق بالمقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، واعتُقل سنة 1943 ورُحّل إلى معسكر "بوخنفالد"، حيث عاش تجربة مأسويّة صارت محوراً لجزء كبير من أعماله. وإذا كانت رواية سيلين تشريحاً ساخراً وقاتماً لعالم ينهار، وسَفَراً في ليل الإنسانية الذي لا ينتهي، فإنّ كتاب سيمبرون يحكي عن صراع الذاكرة والنسيان، وعن الاختيار الموجع بين الشهادة على جحيم معسكرات الاعتقال وبين محاولة الاستمرار في العيش بعد الخروج منها. وهذا ما يمكن اختصاره بسؤال واحد: هل نكتب لنحيا أم نصمت لنواصل الحياة؟

في هذا السياق، نلتفت إلى كتاب الياباني الحائز على جائزة نوبل للآداب كينزابورو أوي، "ملاحظات حول هيروشيما"، وهو تأمُّل إنساني عميق في آثار القنبلة الذرية على الناجين، وعلى معنى العيش بعد الكارثة، حيث تمتزج الشهادة بالمساءلة الأخلاقية حول مسؤوليّة الإنسان والعلم والسياسة. لقد كتبَ أوي عن هيروشيما وناغازاكي كما رسم بيكاسو لوحة "غيرنيكا" التي تحوّلت من شاهد على مجزرة إلى رمز كوني لمأساة الحروب.

سؤال واحد: هل نكتب لنحيا أم نصمت لنواصل الحياة؟

العالم العربي لم يعرف حرباً واحدة كبرى، بل سلسلة متواصلة من النزاعات والاحتلالات والحروب الأهلية، من فلسطين إلى لبنان، ومن العراق إلى سورية واليمن، وهذا ما ترك أثره أيضًا على المشهد الأدبي، شعراً ورواية، الأمر الذي يستحقّ مقالة خاصّة. تقتضي الإشارة هنا إلى أنّ الحروب إذا كانت قد تعَولمت، فالأدب أيضاً قادر أن يعبر الحدود. قصيدة تُكتب في غزة قد تُقرأ في مدريد ولندن ونيويورك. وهذا ما حصل ضمن فعاليات "سوق الشعر" في العاصمة الفرنسيّة في شهر يونيو/ حزيران الماضي، وكان الشعر الفلسطيني ضيف الشرف فيها.

الأدب وليد تأمّل وتفكير وحسّ جمالي، بخلاف الحرب التي هي نتاج الغرائز السلبية، كما كانت ولا تزال منذ بداية الخليقة. وللأدب دور في تشكيل الوعي الجماعي، وبعض الكتابة يمكن أن يتحوّل غداً إلى جزء من وعي العالم. كيف لا والأدب هو اللغة المضادّة للّغة التي تبرّر الحروب وتصنع خطاباً رسميّاً يدّعي امتلاك الحقيقة. الأدب هو اللغة التي تكشف زيف الشعارات، تخترق المجهول وتذهب نحو الجوهر، فيما اللغة الأخرى تعمل على تفريغ الكلمات من معانيها الأصليّة، بحيث يصبح المجرم مصلحاً اجتماعيّاً وبطلاً، والمصلح الاجتماعي الفعلي مجرماً. أخيراً، يكفي أنّ الأدب ينتصر للحياة وللمستقبل، ويراهن على فعل التغيير، معتبراً أنّ الحرب ليست قدراً، وفي هذا الرهان بعض العزاء وبعض الأمل.

* كاتب وشاعر لبناني مقيم في باريس

المساهمون