ليانا بدر: الأدب كموزاييك للحياة

14 نوفمبر 2020
الصورة
ليانا بدر في نيويورك (غريغوريو بينويا/ Getty)
+ الخط -

"أحسب أنني أحببتُ الكتابة عندما وُلدتُ ونشأتُ في القدس التي نظرت فيها إلى نجوم العالم وكواكبه كلّها، المدينة التي بدت مركز الكرة الأرضية لأهلها، وكانت دائماً مليئة بالناس من شتى الجنسيات والأديان"، بهذه الكلمات افتتحت الروائية والمخرجة الفلسطينية ليانا بدر (1950) المحاضرة السنوية التي تُنظَّم ضمن "جائزة سيف غباش-بانيبال للترجمة الأدبية العربية"، وتحدّثت فيها عن الجو الذي نشأت فيه في القدس مسقط رأسها، وتنوُّع الكتابات والجنسيات والأشخاص الذين واجهتهم في سنواتها الأولى في المدينة، وتجربة ترجمة أعمالها إلى لغات أُخرى.

تحدّثت بدر، خلال المحاضرة التي ألقتها الأربعاء الماضي وحملت عنوان "عن ابتكار موزاييك الأدب"، عن التنوُّع الديني الذي عرفته مبكراً، قائلةً: "عشنا متشابكين في القدس مثل خيوط ملوّنة في ثوب مطرز، وانسحب هذا على أريحا، حيث كنا نتبادل الأحاديث مع أم ناصر، الخيّاطة المسيحية التي كانت تعيش مع بناتها في البانسيون القديم الذي مرّ به مارك توين حين زار فلسطين". وتضيف: "كان أهالي البلدة يأتون إلى سطوح بيتنا ليشاهدوا النجوم والكواكب عبر تلسكوب أبي الذي استغرق إنجازه ستة أشهر بالحفر اليدوي".

وتُردف: "حتى إلى ما بعد عام 1994، حين رجعتُ من المنفى، كان بإمكاني رؤية هذه الصور الملوَّنة بطلاء مذهّب على الحائط الخارجي المصنوع من اللبن، في ذلك البيت الصغير جداً الذي أنجزه أبي، وكان يوماً العيادة الطبية الوحيدة في المدينة، كنتُ أرى تلك الصور. في فلسطين، قبل الاحتلال، كانت الأديان واسطة للتآلف والرحمة بين البشر، وكانت الراهبات هن من يعلمننا دروس البيانو والموسيقى، لذا لم يكن مستغرباً أن أنتمي إلى مدرسة مقدسية تحرص على حضور التلميذات عروضاً للموسيقى الكلاسيكية الغربية التي كان يقدّمها معهد غوته بشكل شبه منتظم، ولم يكن غريباً أن تُقام احتفالات أعياد الميلاد المسيحية في مدرستنا "دار الطفل العربي"، مقترنة برقصات الدبكة الشعبية الفلسطينية. هكذا عثرتُ على العالم كلّه في شوارع القدس وبساتين أريحا، وليس عوالم الشرق وحدها".

لم تكن في القدس أي بادرة للتعصّب ممّا صنعه الاحتلال

من ماذا يتألّف الأدب؟ تتساءل بدر كمدخل جديد في المحاضرة لتجيب: "إنه يتكوّن من هذا الموزاييك الجميل، الذي يجمع الناس والوجوه والأمكنة والطبيعة مع بعضها، مهما اختلفت الأشكال والألوان والأنسجة كما تبدو من الخارج"، وتتابع: "بينما أرادت أُمّي ألّا أذهب لحضور فيلم المخرج روجيه فاديم "وخلق الله المرأة"، الذي مثّلت فيه برجيت باردو، خوفاً عليَّ من رؤية العري الذي اقترنت به سمعة الفيلم، شجّعتها خالتي الكبرى أن تترك لي حرية المشاهدة، حتى وإن كنتُ في عمر العاشرة أو الحادية عشرة حينها. كانت هناك نخبة مقدسية تحاول النظر إلى العالم من جميع الجهات... لم تكن في القدس أي بادرة للتعصّب وكره الآخر أو التزمُّت ممّا صنعه الاحتلال وخلّف آثاره بعدها".

تذكر بدر تأثُّرها برواية "ذهب مع الريح" لمارغريت ميتشيل، حيث "اكتشفتُ أنّ الحرب تقع في أماكن أُخرى غير فلسطين، وكنتُ أحسب أنّ الحرب ترقد تحت أسرّة أطفال يتامى في دير ياسين هُجّروا من منازلهم بعد مذابح وحشية وصاروا طلاباً في المدرسة الداخلية التي كنتُ فيها، واكتشفتُ أنَّ قصّةَ الناس هي التي تصنع التاريخ، وأنَّ هذه الشخصيات الآسرة هي التي تجعلنا نتطلّع إلى الأحداث والناس وأنفسنا في الوقت ذاته".

تذكر: "في يفاعتي، وجدتُ في الأدب الأميركي المترجَم قوساً واسعاً من المواضيع والأساليب التي تنتقد الحياة الأميركية وتحكي عن هوامش واسعة (...) ثم بدأت مرحلة التعرُّف إلى الأدب العربي وحدي، طه حسين وتوفيق الحكيم وعباس العقاد وآخرين. شجّعني أبي على قراءة سارتر ودو بوفوار وكامو، وسار الأدب العربي والعالمي جنباً إلى جنب في حياتي، وصرتُ أشعر بالانسجام الإنساني كلّما قرأت عملاً أدبياً".

الصورة
الخيمة البيضاء - القسم الثقاف

وحول الترجمة، تقول صاحبة "عين المرآة" إنها دعوة إلى "النظر بعمق في الآداب الأخرى (...) ثمّة معادلة تمزج العالم كلّه في إنسانية واحدة، ولم تكن الترجمة إلّا البوّابة التي تفتح الحدود بيننا". كما استعادت بدر تجارب رواد مقدسيّين؛ أمثال خليل السكاكيني، ونجاتي صدقي، وإسحاق موسى الحسيني وإسعاف النشاشيبي.

كانت صاحبة "نجوم أريحا" قد أصدرت روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" عام 1979، والتي نُقلت إلى الإنكليزية عام 1989. وعن ذلك تقول: "جلبت لي ترجمة روايتي الأولى متعة كبيرة في التعرّف على العديد من القرّاء والمختصّين والمهتمّين بالروايات، وأثّرت على ما تلا من كتاباتي، لأنّني صرتُ أشعر بأنّني أكتب لقارئ عالمي، وليس للقارئ المحلّي فقط. لقد صرت مواطنة في مملكة الأدب الشاسعة. كما عرفتُ أن إدوارد سعيد أدرجها في منهاج الأدب المقارن في جامعة أميركية معروفة، وهذا ما جعلني أشدَّ إدراكاً لدور الترجمة في إنشاء حقل تفاهم عالمي".

جعلتني الترجمة أشعر بأنني أكتب لقارئ عالمي أيضاً

كان مقدار الترحيب برواية "عين المرآة" التي ترجمتها إلى الإنكليزية سميرة قعوار بمثابة "صدمة جميلة ولكن جديدة"، وفقاً لبدر التي تضيف: "كتبتُ هذه الرواية عن الوجود الفلسطيني في لبنان، واشتغلتُ عليها سنوات عديدة، في البحث عن الخلفيات الوثائقية الاجتماعية الموازية لها. جمعتُ عشرات الشهادات ممّن عاشوا هناك ورسمت الخرائط المتتالية لتل الزعتر في ظل الحصار، لأنني وددت بقوة أن أجعلها أشبه بملحمة تعكس صورة حياة الناس في المخيمات خلال الحصار الطويل، أردت أن أروي التاريخ الفلسطيني بعيون النساء. وذُهلت من حجم الإقبال على الرواية ومتابعتها وتدريسها".

تقول بدر عن فكرة الفسيفساء التي أخذتها محوراً لمحاضرتها: "حين نذهب إلى قصر هشام بن عبد الملك في أريحا نطالع أكبر أرضية موزاييك في العالم، تتألّف من 38 سجادة فسيفسائية بعضها متصل ببعض، ومساحتها 826 متراً مربعاً مكونة من ستة ملايين قطعة فسيفساء استُخدمت في بلاط الديوان، لقد عمل العرب على الاستفادة من المنجزات الحضارية لشعوب الأرض التي سبقتهم، كما استفادت الحضارة الأوروبية من منجزاتهم الرائعة في حقولٍ كثيرة، وهذا هو الأصل في التسامح الذي رسّخته عصور الحضارة في المنطقة التي اعتُبرت وسطَ العالَم القديم".

 

بطاقة

كاتبة وسينمائية فلسطينية من مواليد القدس عام 1950، صدر لها في الرواية: "بوصلة من أجل عباد الشمس" (1979)، "عين المرآة" (1991)، "نجوم أريحا" (1993)، الخيمة البيضاء (2016). وصدر لها في القصة: "قصص الحب والمطاردة (1983) "شرفة على الفاكهاني" (1983)، "أنا أريد النهار" (1985) "جحيم ذهبي" (1992) "سماء واحدة" (2007). وأصدرت في الشعر: "زنابق الضوء" (2008) و"زمن الليل" (2008) و"أقمار" (2017). ولها أعمال سينمائية من بينها وثائقي بعنوان "فدوى طوقان: شاعرة من فلسطين". كما أصدرت أعمالاً للأطفال: "رحلة في الألوان" (1981) "فراس يصنع بحرًا" (1981)، "في المدرسة" (1983).

الأرشيف
التحديثات الحية

المساهمون