لذة النص المرهق: من مارسيل بروست إلى جيمس جويس

22 يناير 2026   |  آخر تحديث: 09:09 (توقيت القدس)
خوليو كورتاثار عام 1970 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تميل الجوائز الأدبية في العالم العربي إلى تفضيل الروايات التقليدية، مما يهمش الروايات الراديكالية التي تتطلب جهدًا فكريًا وتأويليًا لفهم بنيتها المعقدة، مثل أعمال جيمس جويس وفرجينيا وولف.

- برزت في السياق العربي روايات مثل "رامة والتنين" و"الزيني بركات" كنماذج للرواية الصعبة، حيث تتسم بتعقيد لغوي وبناء غير خطي، مما يتطلب جهداً تأويلياً كبيراً لفهمها.

- تُعتبر الرواية الصعبة تحديًا للقارئ، حيث تتطلب منه المشاركة في بناء النص وفهمه، مع استمرار الجدل حول دور الأدب كوسيلة للتواصل أو مختبر للتجريب.

تميل الكثير من الجوائز الأدبية، في المنطقة العربية، إلى روايات مكتوبة بلغة لا تميل إلى الإفراط في التجريب واللعب وخرق أفق التوقع، ما يساهم في فرض خطاطة روائية واحدة تُكافئ صاحبها باستمرار، في التتويج ونسب المقروئية، بينما تُهمّش الروايات الراديكالية التي تشتغل خارج المعايير، وبعيداً عن توقعات لجان القراءة أو التحكيم؛ وهي الرواية التي تُنعت، لدى القراء والنقاد على حد سواء، بـ"الصعبة" أو "المرهقة".

المؤكد أن هناك عدداً كبيراً من النصوص العالمية التي يُجمع النقاد أو يختلفون على إدراجها ضمن ما يُسمّى "الرواية الصعبة"، لأن بنيتها السردية، أو لغتها، أو مرجعياتها المعرفية، أو علاقتها بالزمن والوعي، تجعل قراءتها تجربة مرهقة فكرياً وتأويلياً؛ ومنها، على سبيل المثال، أعمال جيمس جويس في "عوليس" و"يقظة فينيغان"، وفرجينيا وولف في "إلى المنارة"، وويليام فوكنر في "الصخب والعنف"، ومارسيل بروست في "البحث عن الزمن الضائع"، وتوماس مان في "الجبل السحري"، وصامويل بيكيت في ثلاثيته ("مولوي"، و"مالون يموت"، و"اللامسمى")، ثم لاحقاً أعمال توماس بينشون مثل "قوس قزح الجاذبية"، إذ اعتبره الناقد هارولد بلوم واحداً من آخر كبار الروائيين "الذين يكتبون ضد سهولة القراءة". 

في هذا السياق، تُدرج، أيضاً، رواية "لعبة الحجلة" لخوليو كورتاثار، التي تقترح على القارئ أكثر من ترتيب للقراءة، فتقوّض خطية السرد وتجعل القارئ مشاركاً في بناء النص، وكذلك رواية "2666" لروبيرتو بولانيو، التي تتوزع على خمسة أجزاء متباعدة زمنياً وسردياً، وتجمع بين التحقيق البوليسي والتاريخ الأدبي والتأمل الفلسفي. 

العالم المعاصر لم يعد قابلاً للتمثيل عبر رواية شفافة وبسيطة
 

عربياً، رسخ إدوار الخراط هذا المنحى، إذ تُقرأ روايته ذائعة الصيت "رامة والتنين" بوصفها نصاً مفصلياً في السرد العربي الحديث، بسبب لغتها الشعرية الكثيفة، وبنائها غير الخطي، وتشابك الأسطورة بالتجربة الذاتية وبالتأمل الفلسفي. ويقدم جمال الغيطاني، وخصوصاً في روايتي "الزيني بركات" و"التجليات" نموذجاً آخر للصعوبة، يقوم على محاكاة اللغة التراثية، وتداخل الأزمنة التاريخية، وتحويل السرد إلى ما يشبه المخطوط أو السيرة الصوفية. أما حبيب عبد الرب سروري في روايته "عرق الآلهة"، فبناؤها الفني يخضع لحسابات دقيقة تقوم على مرجعيات علمية، فضلاً عن استنادها الصريح إلى أربعة كتب حول نشأة الكون وخلق الإنسان وتاريخ الأديان وتاريخ العلم. 

في الفضاء المغاربي تحديداً (المغرب، الجزائر، تونس، وليبيا) يمكن الحديث عن تقليد واضح للرواية "الصعبة"، تشكّل عند تقاطع ثلاثة عناصر: إرث لغوي مزدوج (العربية/الفرنسية)، وثقل تاريخي كولونيالي وما بعد كولونيالي، ونزوع قوي إلى التجريب الشكلي والميتاسردي، ما أفرز نصوصاً تجعل من القراءة فعلاً تأويلياً شاقاً. وهذا ما نجده في أعمال محمد عز الدين التازي، وخصوصاً في "المباءة" و"رحيل البحر"، وهما روايتان تطرحان صعوبة بنيوية وتأويلية تنبع من تشظي الذاكرة ومن وعي النص بذاته كنص. أما رواية "لعبة النسيان" لمحمد برادة، فتعتبر من أكثر الأعمال تداولاً في هذا السياق، لأنها تفكك السيرة الذاتية عبر أصوات متعددة، وطبقات زمنية متداخلة، وحدود غير مستقرة بين الكاتب والسارد والشخصية، إذ اعتبرها بعض النقاد تطبيقاً إبداعياً لنظريات ميخائيل باختين.

وفي الجزائر، تبرز أعمال رشيد بوجدرة، مثل "التفكك" و"الرعن" و"الحلزون العنيد"، بوصفها نماذج مبكرة لصعوبة لغوية وتركيبية حادة، تقوم على جمل طويلة ملتوية، وتيار وعي متوتر، وتكسير شبه كامل للترتيب الزمني. أما في تونس، فتُذكر أعمال شكري المبخوت في بعض نصوصه المركبة، مثل "باغندا" و"السيرة العطرة للزعيم"، فضلاً عن تجربة الصافي السعيد في روايته "الكيتش" التي تتعمد اللعب على تعدد الأصوات وتفكيك الواقعية الساذجة. وتبرز على نحو جلي، تجربة الروائي الليبي إبراهيم الكوني، إذ تُعتبرُ أعماله الروائية من أكثر التجارب إرهاقاً للقارئ العربي، بسبب تحويل الرواية إلى نص أسطوري–صوفي كثيف الرموز، حيث تختفي الحبكة التقليدية لصالح تأمل كوني في الإنسان والمصير والعدم.

 يخاطر النص الذي يحطم الجسور مع القارئ بفقدان بعده التواصلي

يقول أمبرتو إيكو: "القارئ بحاجة إلى ما ينهكه. أعتقد أن رواياتي طرحت إشكالية مهمة على هذا المستوى: فهي روايات "صعبة"، إلا أن الناس يقبلون عليها بكثرة، وهي نخبوية إلا أنها تثير رد فعل جماهيرياً (...) ملّ الناس الأشياء السهلة. إنهم في حاجة إلى تجربة متعبة، معقّدة، تنطوي على تحديات كفيلة بأن تشعرهم بالرضا عن أنفسهم وعن قدراتهم الفكرية. ذلك ما حصل أيضاً مع "الجبل السحري" لتوماس مان، ومع "البحث عن الزمن الضائع" لبروست.

الصعوبة هنا قيمة جمالية ومعرفية، وشرط من شروط "لذة النص" بتعبير رولان بارت، ذلك أن "القارئ النموذجي" لا يستهلك النص استهلاكاً سلبياً، بل يشارك في بنائه عبر سلسلة من الفرضيات والتأويلات. هذا الرهان دافع عنه نقاد وكتاب معاصرون، أمثال الروائي البريطاني ويل سيلف الذي يرى أن "العالم المعاصر، بتعقيده التكنولوجي وتفككه الرمزي، لم يعد قابلاً للتمثيل عبر رواية شفافة وبسيطة"، وأن الصعوبة أبعد ما تكون عن النزوة الأسلوبية، ولا يمكن النظر إليها إلا بوصفها "طريقة لمقاومة تسليع الأدب وتحويله إلى منتج سريع الاستهلاك". بينما يذهب آخرون إلى أن الرواية الصعبة تُحدث شرخاً واعياً في "أفق التوقع"، فتجبر القارئ على تعديل عاداته القرائية وتعلّم استراتيجيات جديدة للفهم، وهو ما يجعل الصعوبة خاصية علائقية لا تنبع من النص وحده، بل من العلاقة بين النص وقارئه وسياقه الثقافي. 

غير أن الدفاع عن الرواية الصعبة لم يمرّ من دون اعتراضات. فبعض النقاد الغربيين والعرب، يرون أن التعقيد قد يتحول إلى قناع أيديولوجي للنخبوية، وأن النص الذي يحطم كل الجسور مع القارئ يخاطر بفقدان بعده التواصلي. ولهذا يحذر تيري إيغلتون، في كتابه "النظرية الأدبية"، من تحويل التعقيد إلى معيار أخلاقي أو جمالي مطلق، مذكّراً بأن الغموض لا يساوي العمق بالضرورة، وأن "الأدب العظيم قادر على الجمع بين الكثافة الفكرية وإمكانية التلقي". وتبعاً لذلك، يتبيّن أن "الرواية الصعبة" منطقة صراع بين تصورات مختلفة للأدب نفسه: هل هو فن للتواصل أم مختبر مفتوح للتجريب؟