استمع إلى الملخص
- صدر مرسوم أميري بسحب الجنسية الكويتية من عبد العزيز السريع وشخصيات ثقافية أخرى، مما يثير تساؤلات حول الهوية الوطنية وقرارات التجنيس السابقة.
- منذ نهاية الأربعينيات، منحت الكويت الجنسية لكفاءات عربية لتعزيز التنمية، لكن الحكومة تواصل سحب الجنسية من الآلاف، مما يثير جدلاً حول تبعات هذه القرارات.
عندما سُئل الكاتب المسرحي الكويتي عبد العزيز السريع في مقابلة صحافية أجريت معه عام 2015 عن الطريقة، التي يُستبعد فيها الوافدون في الكويت لمجرّد مخالفة قانون المرور، أجاب بأنه ضدّ هذا التوجه تماماً، واعتبره نوعاً "من التعسف واللاإنسانية". لم يعتقد السريع يوماً أن مرسوماً أميرياً سيصدر في الخامس والعشرين من الشهر الجاري يجرّده من الجنسية الكويتية مع مواطنين آخرين، استكمالاً لمراسيم أخرى صدرت خلال السنوات الماضية.
وللمفارقة يتحدث صاحب كتاب "حديث المسرح" (2012) في المقابلة نفسها، حول مشاركته في أول تعداد للسكان في دولة الكويت عام 1957؛ قبل استقلال البلاد بنحو أربع سنوات، وهو الذي ساهم أيضاً في تأسيس فرقة مسرح الخليج العربي سنة 1963، عبر كتابة مجموعة نصوص للخشبة مثل: "الأسرة الضائعة"، و"الجوع"، و"عنده الشهادة"، و"لمن القرار الأخير"، و"فلوس ونفوس" وغيرها. شهدت سنوات الستينيات والسبعينيات ازدهاراً للمسرح الكويتي الذي قدّم رواده أعمالاً مقتبسة عن أعمالٍ عربية وغربية، لكن بمقاربات محلية ناقشت قضايا اجتماعية وسياسية ضمن سقف عالٍ من النقد، وتركت تأثيرها الواضح على مجتمع اتسم حينها بالانفتاح، ولم يكن المشهد معزولاً عن محيطه العربي أيضاً، حيث قدّمت آنذاك فرقة الخليج عروضها في بغداد والقاهرة ودمشق، وتوثقت صلات فنانيها مع مسرحيين عرب من أمثال ألفريد فرج وسعد الله ونوس.
حداثة مسرحية
يرتبط اسم عبد العزيز السريع الذي يقترب من عامه السابع والسبعين، بتشكّل الحداثة المسرحية في الكويت من خلال نصوص شارك في كتابة وإعداد الكم الأكبر منها، وكذلك في إدارة فرقة ناشئة استطاعت حينها أن تجذب جمهوراً عريضاً لمتابعة عروضها عبر شباك التذاكر، في إنهاء لمرحلة سابقة سادت فيها أشكال من الفرجة كانت تقدّم مجاناً. كما وثّق السريع في محاضرات وبحوث عدة المسرح الكويتي منطلقاً من رؤية لا تفصل الفن عن حركة المجتمع والسياسة، حيث يعزو تراجعه منذ منتصف الثمانينيات إلى صعود تيارات متشددة استطاعت أن تسيطر على قطاع التعليم، وتغيّر المناهج وأساليب التدريس والبيئة المدرسية، وأصبحت معادية للتنوير والثقافة.
تضمّ القائمة عبد العزيز السريع وأحمد عنبر وخالد عيد
لم يجرّد السريع وحده من الجنسية إذ تضمّ القائمة شخصيات بارزة في مجال المعرفة والثقافة والفنون، ومنهم الشاعر أحمد عنبر الذي رحل عام 1989، وكان مشغولاً بتسجيل الحياة اليومية والعادات والمناسبات والطقوس الاجتماعية في قصائده الشعبية التي تعكس تحولات عاشتها الكويت منذ الأربعينيات وصولاً إلى الثمانينيات، لُحّن بعضها في أغانٍ تمّ تقديمها في احتفالات رسمية.
مرحلة ما قبل الاستقلال
مع نهاية الأربعينيات وبدء تصدير النفط، استقطبت الكويت كفاءات من بلدان عربية، للمساهمة في إنشاء المؤسسات الأولى في مجالات التعليم والصحة والإعلام والزراعة، ونال عدد منهم الجنسية التي نظّمها لاحقاً قانون صدر عام 1959، في حالة لا تختلف عن عدد من الدول العربية خلال تلك الفترة، صدرت فيها تشريعات مماثلة، منحت المقيمين على أرضها جنسيتها من أجل تطوير إداراتها الناشئة. ويثير التراجع عن هذه القرارات تساؤلاً أساسياً حول هويات وطنية تشكّلت خلال فترات الاستعمار، يبدو مستهجناً اليوم إعادة النظر إليها بعد بناء الدولة والمجتمع، بوصف هؤلاء المجنسين أغراباً بعد ستّة أو سبعة عقود.
من هؤلاء النخبة الذين حرموا من الجنسية في المرسوم نفسه، محمد طلعت محمد رضا القادم من مصر إلى الكويت سنة 1955، ليكون أول طبيب مختص في الأمراض العصبية والنفسية في وزارة الصحة الكويتية، وأشرف على "ملجأ المجانين" الذي تحول لاحقاً إلى مستشفى تولى إدارته بنفسه نحو خمسة وعشرين عاماً، كما ألّف كتاباً في مجال تخصصه اعتمد مرجعاً دراسياً في المعاهد الصحية، وظل فاعلاً في مجاله حتى وفاته عام 1992.
كما حرم المرسوم الأخير الباحث والمهندس الزراعي خالد عيد الذي انتقل من يافا إلى الكويت سنة 1938، وعمل في وزارة التربية قبل أن يساهم في تأسيس أول معهد زراعي في الكويت مطلع الستينيات، شغل منصب نائب لرئيسه، ووضع مجموعة مؤلفات منها "الزراعة في الكويت"، و"زراعة الخضر والمحاصيل في الكويت"، و"تربية الدواجن في الكويت من الناحيتين النظرية والعملية"، وواصل تقديم برنامجه الإذاعي حول الزراعة، وتصميم مشاريع زراعية في مدن كويتية حتى وفاته عام 1978.
وفي مجال الطب أيضاً، جرّد المرسوم الأخير الطبيب يحيى الحديدي مع أبنائه الأربعة، وهو الذي أنشأ مستوصفاً عند قدومه من سورية إلى الكويت عام 1940، وشارك في إصدار أولى المطبوعات الكويتية المتخصصة في الصحة منذ نهاية الخمسينيات، وتولى مناصب إدارية قبل وفاته سنة 1990.
مراسيم سابقة
تواصل الحكومة الكويتية سحب الجنسية عن الآلاف عبر إصدار أكثر من مرسوم خلال السنوات الماضية، كان منهم عدد من الدبلوماسيين ورجال الأعمال والرياضيين والدعاة والكتّاب والفنانين، أحياء وراحلين، مثل: نوال الكويتية وداود حسين وعبد المحسن السهيل وعبد الرزاق إبراهيم الخلف وعيسى العلوي وغيرهم.