كيف تجاوز السرد الليبي سنوات الانغلاق؟

26 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:33 (توقيت القدس)
الروائية عائشة الأصفر (فيسبوك الكاتبة)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فوز عائشة الأصفر بجائزة القدس 2025 عن روايتها "إيشي" يعكس أهمية الأدب الليبي الحديث في كسر العزلة السياسية وتعزيز الحضور الثقافي العربي.
- شهدت السنوات الأخيرة بروز كتّاب ليبيين مثل سالم العوكلي ونجوى بن شتوان، مما ساهم في تأسيس لغة روائية ليبية جديدة تتجاوز النزعة الخطابية.
- تحرر الأدب الليبي بعد 2011 وظهور منصات نشر عربية بديلة أتاح للكتّاب الليبيين فرصة للكتابة بحرية، مما عزز حضورهم في الساحة الأدبية العربية.

يكتسب فوز الروائية الليبية عائشة الأصفر بـ "جائزة القدس للمرأة العربية للإبداع الأدبي" 2025 عن روايتها "إيشي"، أهمية خاصة بوصفه لحظة تعيد إبراز ما يُكتب في ليبيا اليوم، ويكشف عن موجة جديدة راحت تتبلور خلال العقدين الأخيرين، كما أنه يكسر العزلة التي فُرضت على الأدب الليبي بفعل الانغلاق السياسي وغياب منصات النشر العابرة للحدود. وإذا كان خبر الجائزة يصلح مدخلاً لتقديم الأصفر صوتاً نسويّاً واثقاً في السرد الليبي الحديث، فإن قيمته الأوسع تكمن في كونه نافذة تتيح رؤية مشهد أدبي اشتغل طويلاً بصمت، قبل أن يقتنص فرصته في الظهور. 

لا يحتاج المتابع إلى جهد كبير ليرى أنّ الرواية الليبية كانت تعاني، إلى وقت قريب، من ضعف التمثيل على خريطة الأدب العربي، ليس لقلة الكتّاب، بل لغياب القنوات الثقافية، وندرة دور النشر ذات الامتداد العربي، وانحسار النقد المحلي الذي يتيح للأصوات الجديدة فرصة الظهور. ومع اندلاع الأزمات السياسية في ليبيا بعد 2011، بدا أنَّ الثقافة الليبية على وشك مزيد من التراجع، لكن المفارقة أن السنوات نفسها شهدت بروز موجة من الكتّاب الذين وجدوا في الكتابة مساحة للنجاة وإعادة بناء العلاقات بين الداخل والخارج. 

تحررت عائشة الأصفر من أفق المحلية الضيق، وقدّمت سرداً يمزج بين التجربة الليبية الخاصة وأسئلة الإنسان العربي عامة، مثل الهوية والعنف والتاريخ والمرأة والمدينة. لكن الأصفر ليست وحدها التي قامت بهذا التحوّل؛ فالمشهد الروائي الليبي يضم اليوم مجموعة من الأسماء التي باتت تُقرأ خارج ليبيا، وتُترجم أحياناً، وتستقطب الجوائز العربية. 

من بين هؤلاء، يبرز سالم العوكلي، وهو شاعر وروائي وصوت ثقافي ظل يعمل لسنوات طويلة داخل ظروف صعبة. إنّ ما يميز العوكلي أنه لا يكتب من موقع الكاتب المنعزل داخل مشروع فني مغلق، بل من موقع الفاعل الثقافي الذي يعيش داخل التفاصيل اليومية للمجتمع، ويشهد تحوّلاته مباشرة. فهو يقدّم السرد بوصفه امتداداً للتجربة ومعايشة الواقع، لا منطلقاً نظرياً أو ممارسة منفصلة عن الحياة. 

سرد يمزج بين التجربة الليبية الخاصة وأسئلة الإنسان العربي
 

تكمن قيمة رواياته في قدرته على التقاط التفاصيل الصغيرة لحياة الليبيين، وبناء شخصيات تحتمل التناقضات، غير مسطّحة ولا مؤدلجة. كثيرون يرون في كتابته محاولة لتأسيس لغة روائية ليبية جديدة، تتجاوز النزعة الخطابية، وتنفتح على الهمّ الإنساني. وهكذا، على الرغم من محدودية انتشار كتبه عربياً، فإن أثره واضح في الأجيال اللاحقة التي بدأت تنظر إلى السرد مساحةً للارتجال الحرّ، لا للامتثال لمعايير جاهزة. 

أما نجوى بن شتوان، فقصتها معروفة بوصفها أحد أبرز الوجوه الليبية التي استطاعت خلال العقد الأخير أن تثبت حضورها عربياً. وهي تقدّم نموذجاً للكاتبة التي تستثمر الإرث الليبي في صياغة روايات إنسانية ذات بعد عالمي، من دون تحويل ليبيا إلى مادة غرائبية للقارئ. وقد نجحت بن شتوان في أن تُعيد تعريف صورة المرأة الكاتبة داخل مجتمع تقليدي، وأن تقدّم نصوصاً تتعامل مع حقائق التاريخ الليبي وطبقات المجتمع، ومع ذاكرة المدن المنسية التي لا يعرف عنها القارئ العربي الكثير. ولعلّ فوز الأصفر بالجائزة الأخيرة يجعل من المفيد الربط بين التجربتين، والحديث عن حضور المرأة الليبية بوصفه أحد مداخل فهم تحولات الكتابة في هذا البلد. 

يأتي مفتاح العماري ليضيف بُعداً آخر للمشهد، وهو البعد المتعلق بتجريب الشكل الروائي ولغته. فالعماري، المعروف أساساً شاعراً، يدخل الرواية من باب مختلف، يعيد فيه ترتيب العلاقة بين اللغة والواقع، ويطرح أسئلة حول وظيفة الكتابة نفسها. وفي نصوصه تميل الرواية إلى أن تكون مرايا متعددة تعكس أزمات المجتمع الليبي، لكنها لا تقف عند حدود التوثيق، بل تبحث عما هو أبعد، عن كيف يمكن للسرد أن يصبح أداة للمعرفة، لا مجرد سجلّ للوقائع. 

يمثل العماري، إلى جانب أصوات أخرى، تحوّلاً مهماً في مسار الرواية الليبية، أي انتقالها من السرد التقليدي إلى الرواية التأملية. ومن هنا يمكن فهم لماذا بدأت دور النشر العربية تنظر بجدية أكبر إلى ما يُكتب في ليبيا، في مقابل سنوات كانت الأعمال الليبية فيها بعيدة عن الضوء. 

في هذا السياق، يمثّل فوز رواية الأصفر بالجائزة نموذجاً للنص الذي يستفيد من خصوصية المكان، دون أن يتحول إلى خطاب هوياتي مغلق. إذ تقدّم الأصفر عالماً ينهض على أسئلة الذاكرة والجسد والعائلة والعنف الرمزي، وترسم صورة لامرأة تقف على الحدود بين إرث اجتماعي ثقيل ورغبة في التحرر من شروط الواقع. 

وقد يكون هذا التوتر بين الداخل والخارج، بين المدينة الليبية وتحوّلاتها، وبين صوت المرأة وما يفرضه المجتمع عليها، هو ما جعل الرواية تلقى اهتمام لجنة الجائزة. فالنص يحمل طابعاً محلياً قوياً، لكنه يترك مساحة للقارئ العربي ليرى نفسه فيه، ويستعيد عبره أسئلة مشتركة عن الحاضر العربي. 

بدأت دور النشر العربية تنظر بجدية إلى ما يُكتب في ليبيا

ولكن لماذا يبرز الأدب الليبي الآن؟ هناك عدة أسباب تقف خلف صعود المشهد الروائي الليبي في السنوات الأخيرة، لعلّ أبرزها تحرّر الكتابة من الرقابة القديمة. فبعد 2011، وعلى الرغم من الفوضى السياسية التي أعقبت الربيع العربي، انفتحت مساحة التعبير أمام الأجيال الجديدة، ووجد الكتّاب فرصة للكتابة دون الخضوع لشروط الرقابة الصارمة التي حكمت الحياة الثقافية لسنوات طويلة. ويضاف إلى ذلك ظهور منصات نشر عربية بديلة، إذ وجد كثير من الكتّاب منافذ جديدة للنشر خارج ليبيا، سواء عبر دور نشر مصرية ولبنانية وتونسية، أو من خلال المشاركة في الجوائز العربية التي وفّرت لهم جمهوراً مختلفاً. كما أسهمت رغبة القارئ العربي في اكتشاف هوامش جديدة من السرد في تعزيز هذا الحضور، بعدما ظلّت الرواية العربية لسنوات تتمركز حول بلدان بعينها. بهذه العوامل مجتمعة، استطاع الأدب الليبي أن يتحرّر تدريجياً من عزلته القديمة، وأن يجد موقعه داخل الخريطة العربية، بوصفه صوتاً يحمل تجربة خاصة ويطرح أسئلته بلغته وخصوصيته. 

إن فوز الأصفر بجائزة تحمل اسماً رمزياً كبيراً كالقدس يضيف إلى التجربة الليبية بُعداً آخر، ويتيح فرصة للحديث عن الأدب بوصفه جسراً بين المجتمعات العربية التي تجمعها هموم مشتركة. وربما تكون هذه اللحظة مناسبة لفتح النقاش حول كيفية دعم المشهد الروائي الليبي ليجد موقعاً دائماً داخل جغرافيا الأدب العربي.

المساهمون