كيف السبيل إلى النهضة مجدّداً؟

23 أكتوبر 2020
الصورة
محمد عبلة/ مصر
+ الخط -

من السطحية أن نعي النهضة كما يذهب بعض المفكرين إذ يؤكّدون الجانب الثقافي لكل نهضة في تاريخ الأمم. فمنهم من يرى أن النهضة معناها سيادة العقلانية في المجتمع، ومنهم من يقول إن النهضة إنما تكمن في مجال الفن والإبداع.

والنهضة ولا شك تجمع بين الإبداعين الفني والفكري معاً. ولكنها أولاً، وقبل كل شيء، تجمع بين عنصرَين لا بديل لهما: العنصر الأول هو وجود نظرة شاملة إلى تاريخ مجتمعات البشر، وصورة محدّدة للإنسان، أي لإنسان المجتمع الوطني المنطلق إلى النهضة في علاقة وثيقة مع الفلسفة التاريخية العامة من ناحية، ثم ثانياً، من ناحية أُخرى، وجود جهاز القوة السياسية الفعّال القادر على تحقيق هذ المشروع الوطني العام، الذي لولاه تصبح القوة عنفاً، بينما هي أداة لتنفيذ مشروع عظيم.

كان هذا درس مصر الفرعونية في عصر رمسيس وتحتمس وحتشبسوت، وبلاد فارس في عهد دارا وكسرى، واليونان في عصر بيركليس ثم الإسكندر، وإيطاليا في عصر نهضتها حول زعماء الشمال الساعين إلى الوحدة، وفرنسا أيام نابليون، ويابان عصر ميجي، وروسيا لينين وصين ماو تسي تونغ. وهل نسينا أو تناسينا - وكيف ننسى ونتناسى؟ - أن نهضتنا المصرية العربية قامت على أساس الجمع بين فتوحات إبراهيم باشا وفكر رفاعة رفعت الطهطاوي في دولة محمد علي؟

لا سبيل إلى النهضة عن طريق التثقيف أو نشر العقلاينة أو إرهاف الذوق الفنّي وحدها دون بقية العناصر، وإنما النهضة هي الجمع بين مشروع وسلاح. وكلا العنصرين يتعرّفان على ذاتهما الأصيلة ومستقبلهما في مشروع وطني يستطيع من خلاله هذا القطاع من العالم أن يسهم إسهاماً مستقلاً في إخصاب وتطوير وتغيير مسالك ومعاني الحضارة الإنسانية بمعناها الأعم.

إن رفع شعارات المفهوم الثقافي للنهضة - مثل العقلانية والإبداع الفني - أو رفع المفهوم الاقتصادي الآلي للنهضة مثل التعمير والتنمية يعني على وجه التدقيق الرغبة في التنكّر لبُعد القوة السياسية الذي بدونه تصبح النهضة سراباً والحضارة مجرّد محاكاة لقوة الآخرين.

جماهير شعوبنا - في أعماقها - تُدرك تماماً هذه المعاني وترى فيها مرآة لإرادتها ومصيرها. وعلى مثقفي شعوبنا أن يصبحوا بمعنى أكيد مثقفين عضويين، على حد تعبير غرامشي، أي رواداً وأدوات في معركة الفتح التي نخوضها اليوم، والتي لا سبيل إلى النهضة بغيرها.


* من كتاب "الفكر العربي في معركة النهضة"، صدر بترجمة بدر الدين عرودكي عن "دار الآداب" عام 1974، وجمع عدداً من أبحاث أنور عبد الملك المقدّمة كأطروحات جامعية أو دراسات في مجلات علمية فرنسية

دلالات

المساهمون