كيف استعادت الدولة العميقة حكم مصر؟

26 يناير 2026   |  آخر تحديث: 09:36 (توقيت القدس)
متظاهرون يحتفلون بعد تنحي حسني مبارك في القاهرة، 11 فبراير 2011 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تناولت المؤلفات إشكالية حكم الجنرالات في مصر بعد الثورة، مشيرة إلى ضرورة تقليص تدخل العسكريين في السياسة، كما في كتاب طارق البشري الذي حلل المشهد السياسي بعد إسقاط نظام مبارك ودور المجلس العسكري في المرحلة الانتقالية.

- في كتاب عبد الفتاح ماضي، يتم تحليل إجهاض التحول الديمقراطي، حيث لم ترغب النخبة العسكرية في التخلي عن السلطة، مما أدى إلى انقلاب 2013 الذي أطاح بمكاسب الثورة.

- كتاب زينب أبو المجد يوضح عسكرة المجتمع المصري، حيث استعاد الجيش الهيمنة عبر تعيين ضباط متقاعدين في وظائف مدنية ومنحهم حصانة، مما عزز منافع الجنرالات.

أبرزت الثورة المصرية مدى أهمية إنهاء سيطرة العسكريين على السلطة السياسية، أو على الأقل تقليص تدخلهم فيها، وهو ما ناقشته مجموعة مؤلفات مهمة ناقشت إشكالية حكم الجنرالات بوصفها رأس قائمة النقاشات في مصر بعد أن كانت لعقود من بين الموضوعات المسكوت عنها، أو التي يخشى الباحثون التطرق إليها.

يُعدّ كتاب "ثورة 25 يناير والصراع حول السلطة" للباحث والقاضي المصري طارق البشري (دار البشير للثقافة والعلوم، 2014) أحد النماذج المهمة لتحليل المشهد السياسي المصري المعقد في أعقاب إسقاط نظام حسني مبارك الذي حكم البلاد لثلاثين عاماً متصلة، وكتبه البشري في خضم تحولات سياسية كبيرة، وناقش الكتاب ما جرى خلال أيام الثورة الثمانية عشر، من 25 يناير/كانون الثاني حتى تنحي مبارك في 11 فبراير/شباط 2011، وهل يمكن تصنيفه ثورة بالمعنى الكامل، أم مجرد انتفاضة شعبية.

ويخلص إلى أن ما جرى كان "ثورة" اعتماداً على الحشد الجماهيري الواسع، والتنوع الاجتماعي والسياسي للمشاركين، وسلمية الحراك في معظمه، ومطلب التغيير الشامل، لكنه يرى أن تلك الثورة التي حملت طابعاً شعبياً عفوياً في بدايتها، سرعان ما تحولت إلى ساحة للصراع بين قوى سياسية واجتماعية متباينة، حاول كل منها أن يملأ الفراغ الذي خلفه سقوط النظام.

وضع المجلس العسكري خريطة طريق تقوم على التنافس الانتخابي

وتناول البشري إشكالية العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية، وحلل الدور الذي لعبه المجلس الأعلى للقوات المسلحة في إدارة المرحلة الانتقالية، والتوترات التي نشأت بينه وبين القوى السياسية المدنية. ويثير الكتاب عدة تساؤلات جوهرية، من بينها: كيف يمكن لمجتمع أن ينتقل من نظام استبدادي راسخ إلى نظام ديمقراطي من دون أن ينزلق إلى الفوضى أو الصراع العنيف؟ وكيف يمكن التوفيق بين مطالب التغيير الجذري وضرورة الاستقرار؟

ويظل من أهم إسهامات الكتاب تحليله لدور ما يُعرف بـ "الدولة العميقة"، وهي المؤسسات التي ظلت قائمة بعد سقوط رأس النظام، ويكشف أن البيروقراطية الإدارية، والأجهزة الأمنية، والقضاء، والمؤسسة العسكرية، كلها ظلت تمارس تأثيراً واضحاً على المسار الثوري، وأنها بحكم تجذرها واستمراريتها، شكلت عوامل بارزة في إعاقة التغيير المنشود.

في ذات السياق، يقدم كتاب "عثرات في الميدان: كيف أخفقت ثورة يناير في مصر" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020) للأكاديمي المصري عبد الفتاح ماضي دراسة حالة لكيفية إجهاض التحول الديمقراطي في مصر، ويؤكد أن ثورة يناير لم تكن حدثاً منفصلاً، بل حلقة في سلسلة من النضال الممتد من أجل التغيير والحرية، وهو نضال تكرر إجهاضه.

وبينما لا يتجاهل الكتاب دور القوى الإقليمية والدولية في التأثير على مسار الثورة، لكنه يركز على كون النخبة العسكرية المصرية لم تكن راغبة أصلاً في التخلي عن السلطة، ويقول إن الجيش المصري استخدم خطاب "الحفاظ على الدولة" لتبرير التدخل، كما أدار الصراع بين القوى السياسية لإضعافها، ضمن مخطط لإجهاض التجربة الديمقراطية منذ البداية.

القوى التي فجرت الثورة كانت ضعيفة تنظيمياً وفقيرة مالياً

يحدد ماضي في الكتاب تحولين مهمين، الأول هو التحول من "ثورة ديمقراطية" إلى "ثورة انتخابية"، فبدلاً من بناء توافق وطني حول قواعد اللعبة الديمقراطية، ووضع دستور دائم يضمن الحقوق والحريات، انزلقت مصر إلى سباق انتخابي سريع، إذ وضع المجلس العسكري خريطة طريق تقوم على التنافس الانتخابي، ما أدى إلى تغليب المنافسة على التوافق، والاستقطاب على الحوار.

ويتمثل التحول الثاني في قيادة الجنرالات "ثورة مضادة" أطاحت بالمكاسب القليلة التي حققتها ثورة يناير، ويعتبر الكتاب أن "انقلاب 2013" كان نقطة تحول حاسمة، إذ أُطيح بأول رئيس منتخب ديمقراطياً، وبدأت موجة من القمع الشامل، وغابت كل مؤشرات الديمقراطية. لا يُحمّل الكاتب المؤسسة العسكرية وحدها مسؤولية فشل ثورة يناير، ويقول: "اختيارات النخب كانت تُعبّر، في واقع الأمر، إمّا عن قناعات وأفهام مغلوطة، وإمّا عن مقدمات أيديولوجية متحجرة، أو مصالح ضيقة، أو نصائح غير مدروسة قُدّمت من أطراف مختلفة، أو عن خليط من هذا وذاك."

في كتابه "الثورة التائهة- صراع الخوذة واللحية في الميدان" (مركز المحروسة للنشر، 2012)، يقول رئيس التحرير الأسبق لصحيفة الأهرام، عبد العظيم حماد، إن "ثورة يناير لم تقم فقط من أجل تعديل دستور، ولا من أجل طريقة انتخاب رئيس وتحديد فترة رئاسته. بل قامت من أجل تجديد مصر مجتمعاً ودولة تجديداً كاملا وشاملاً". ويؤكد أن "أسباب النجاح توفرت للثورة في بداياتها، لكنها أصبحت تائهة لاحقاً". ويرجع حماد هذا التيه الذي جعله عنواناً لكتابه، إلى أن القوى التي فجرت الثورة كانت ضعيفة تنظيمياً، وفقيرة مالياً، ويرى أنه كان على المجلس العسكري الذي حكم بعد تنحي مبارك، أن يمارس مهمة بناء دولة حديثة طالما أنه تصدى للحكم، لكنه يؤكد أن الخبرة السياسية المحدودة لأعضاء المجلس العسكري، وفارق العمر بينهم وبين شباب الثورة هو ما منعهم من ذلك.

يصف الكتاب شخصية وزير الدفاع السابق، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، محمد حسين طنطاوي، بأنه شخص لا يحب مواجهة الجماهير، ويؤمن بأنه فوق المساءلة "إلا أمام حسني مبارك"، وأنه "كان مضطراً لابتلاع تجاوزات جمال وعلاء مبارك" قبل الثورة، لكنه رغم ذلك، يسجل لطنطاوي الحفاظ على وحدة القوات المسلحة، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، رغم كل ما شابها من عوار. ويؤكد حماد أن المجلس العسكري كان ضد محاكمة مبارك، رغم أنها أحد مطالب الثورة الرئيسية، ويروي في كتابه تفاصيل عشاء جمعه مع آخرين، بثلاثة من أعضاء المجلس العسكري، وخلاله تساءل أحد العسكريين: ألم يقدم مبارك شيئاً جيداً لمصر طوال 30 عاماً؟ هل كانت هذه المدة كلها أخطاء؟، مشدداً على أن المجلس العسكري ظل لفترة طويلة يبحث عن فرصة لتجنب تقديم مبارك للمحاكمة، ويقول: "أصبح ثبوت التباطؤ والتواطؤ في مسألة محاكمة مبارك أساساً للشك في كل قرار يتخذه الجنرالات".

كتب - القسم الثقافي

يؤكد كتاب آخر صدر بعنوان "الأيام الأخيرة لنظام مبارك" (الدار المصرية اللبنانية، 2012)، عدم رغبة الجنرالات في التخلي عن السلطة، ويورد مؤلفه الصحافي عبد اللطيف المناوي نموذجين من تصرفات قائدين عسكريين في اليوم السابق لتنحي مبارك، كان الأول مدير الاستخبارات العامة عمر سليمان، والذي نقل الكتاب حواراً مباشراً له مع مبارك حين كان في الطائرة التي نقلته إلى مدينة شرم الشيخ. وفي الحوار، سأله سليمان: "هل أنت بحاجة إلى أية ضمانات؟ هل أنت بحاجة للذهاب إلى الخارج؟"، فأجاب مبارك: لا، وأضاف: "لم أرتكب أي خطأ. أريد أن أعيش في بلدي، وسوف أعيش فيه حتى نهاية حياتي. لقد تركت كل شيء، السياسة والسلطة. أريد فقط أن أعيش هنا". فقال سليمان: "لديك بعض الوقت للتفكير إذا ما كنت تريد أن نفعل أي شيء آخر".

والحوار الثاني كان نص اتصال هاتفي بين وزير الدفاع حسين طنطاوي ومبارك، فور وصول الأخير إلى شرم الشيخ، وقال مبارك خلاله: "قررت أن أفوض المسؤولية كاملة لك وللجيش. أنت صاحب السلطة الآن"، فأجاب طنطاوي: "لا يا سيادة الرئيس، سنجد وسيلة أخرى. ليس هذا ما نريده". فرد مبارك: "هذا قراري. تحدّث مع عمر سليمان ورتبا كيفية إعلان النبأ". كان المناوي وقت اندلاع الثورة رئيساً لقطاع الأخبار في التلفزيون المصري، ويمكن القول إن اختيار هذين الحوارين، كان مقصوداً منه إظهار أن طنطاوي، الحاكم الفعلي لمصر حين صدور الكتاب، لم يكن طامعاً في السلطة، وربما بالتبعية المؤسسة العسكرية، وكان هذا أمراً مهماً للغاية في تلك المرحلة، إذ كان الشارع الثوري يصدح بهتاف "يسقط حكم العسكر".

لكن هذين النموذجين تحديداً، يظهران أيضاً مدى احترام طنطاوي وسليمان لمبارك حتى اللحظة الأخيرة، وإن كان في هذا رسالة طمأنة للجنرالات الغاضبين من إسقاط مبارك، إلا أنه أغضب من ثاروا على الرئيس المخلوع، كما أنهما يؤشران إلى أن مبارك كانت لديه تطمينات بأنه لن يسجن، أو حتى يعامل بأسلوب غير لائق، وهذا ما حدث بالفعل، إذ كانت محاكمة مبارك هزلية تماماً، على عكس المتوقع من محاكمة رئيس ثار عليه شعبه وأسقطه.

تروي أستاذة العلوم السياسية زينب أبو المجد، في كتاب "عسكرة الأمة: الجيش والأعمال التجارية والثورة في مصر" (منشورات جامعة كولومبيا، 2017)، كيف استطاع الجيش احتواء ثورة يناير سريعاً، وكيف استرد قائد الجيش الجديد عبد الفتاح السيسي منصب الرئاسة بعد أقل من عامين على اندلاع ثورة شعبية كان من بين أهدافها إنهاء الهيمنة العسكرية على السلطة. ويؤكد الكتاب أن النظام الجمهوري المصري الذي تعاقب على رئاسته عدة جنرالات، يعتمد بالأساس على مبدأ كون المؤسسة العسكرية حامية الدولة، وهي بالتالي لا ترى في سبيل ذلك غضاضة في "عسكرة المجتمع" عبر تعيين عشرات الضباط المتقاعدين في مختلف الوظائف المدنية للإبقاء على هيمنتها السياسية والاقتصادية، ومنح هؤلاء العسكريين حصانة أثناء عملهم المدني، فضلاً عن استخدام وسائل الإعلام الحكومية في ترويج أن العسكريين أقدر من غيرهم على الإدارة.

وترصد أبو المجد ظاهرة تعظيم منافع الجنرالات في ظل منظومة سياسية وقانونية تمنح حصانة كاملة للصناعات العسكرية، ولا سيما ما يتصل باستغلال المجندين كعمال بأجور زهيدة، وإعفاء تلك الأنشطة من الضرائب والجمارك، وعدم إدراج الشركات التابعة للجيش في البورصة. ومن أهم ما أورده الكتاب تحليله لموائمات المجلس العسكري المصلحية خلال إدارة المرحلة الانتقالية، ومن ذلك التحول عن موقفه الداعم للإطاحة بمبارك إلى حمايته من الإدانة القضائية، ثم تحالفه مع جماعة الإخوان، فالتحالف مع التيار الليبرالي ضدهم، وهو ما تعتبره المؤلفة مسار تغيير تحالفات انتهجته المؤسسة العسكرية بهدف الحفاظ على امتيازاتها، والإبقاء على هيمنتها على السلطة.