"كتابة تخص المرء وحده" تدوين المرض لمواجهة الألم

03 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:45 (توقيت القدس)
غلاف الكتاب (تصميم العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تستكشف ريجين ديتامبل في "كتابة تخص المرء وحده" الكتابة الشخصية كوسيلة للتعبير عن الذات، بعيداً عن النشر، لتسجيل الأحداث وترتيب الأفكار بحرية، مما يعزز التواصل الذاتي وتطوير منظور جديد للحياة.

- تُقسم الكتابة الشخصية إلى نوعين: الكتابة التنفيسية لتخفيف الأعباء النفسية، وكتابة إعادة البناء لمراجعة التدوينات. تشجع ديتامبل على الكتابة التنفيسية لدورها في التحول الشخصي.

- تُبرز الكتابة الشخصية كوسيلة للتعامل مع الأزمات النفسية والجسدية، وتُشير إلى الكتابة السير مرضية لتسليط الضوء على هشاشة الوضع الإنساني، مؤكدة على أهمية الكتابة كبديل للجسد.

قد نتصوّر أن الكتابة فعل احتكره الكُتّاب والأدباء، ممن يملكون أفكاراً مُتماسكة ونهائية عن العالم، وبعض الجرأة للتعبير عنها. غير أن الكتابة نفسها، بما هي مهارة نتعلمها منذ طفولتنا، لا تُغلق بابها في وجه أحد، بل تمدّ يدها باستمرار في أوقات السراء والضراء. المؤلفة الفرنسية ريجين ديتامبل، تستكشف الكتابة الشخصية بوصفها موضوعاً مُستقلاً في كتابها Écrire juste pour soi أو "كتابة تخص المرء وحده" (آكت سود، 2025)، وعنوانه الفرعي "الكلمات تعتني بنا".

إن السمة المُميّزة لهذا النوع من التدوين الشخصي هو أنها كتابة بين المرء وذاته، ليست للنشر، وهدفها ليس استعراض المهارات الكتابية أمام الآخرين، ولا تكوين نظريات كبرى عن العالم لنيل إعجابهم. وفقاً للمؤلفة، الوظيفة الأساسية لهذا النوع من الكتابة هي تسجيل أحداثنا اليومية العادية والمجانية منها حتى، ووصف مشاعرنا وترتيب أفكارنا، باختصار هدفها أن نكون أحراراً على الورق، تقول: "أكتب لأن أحداً لا يرى العالم الذي أراه، ولا أحد يستطيع أن أحسّ ما أحسّه".

هذا النوع من التدوين، سواء جرى رقمياً عبر الهواتف الذكية وغيرها من وسائل الاتصال الحديثة، أو يدوياً بالورقة والقلم، من شأنه أن يُغيِّر تماماً حياتنا. "إن العبارات تجعلنا نتغير"، لأنها تسمح تدريجياً بتطوير منظور مختلف للذات. هذه العملية التحويلية - فالكتابة بهذا المعنى تحوِّلنا - تُذكِّرنا على الفور بصاحب "التحول" فرانز كافكا الذي طوّر علاقة خاصة مع دفاتر يومياته، باح فيها بقلقه واضطرابه، كأنها طبيبه النفسي الخاص، أو حتى صديقه الأشدّ حميمية، في إحداها يقول: "أرغب اليوم في كتابة كل حالتي القلقة، أن أسحبها من أعماقي، وأجد لها مكاناً في قلب الورق". بالطبع لم يُفكر كافكا في أن يومياته سوف تُنشر وتُقرأ بعد رحيله، لقد كتبها لنفسه فقط. كتابة ضدّ الصمت، الصمت الداخلي، صمت الذات، وهو أسوأ أنواع الصمت على الإطلاق.

تُقسِّم ديتامبل هذا النوع من الكتابة الشخصية إلى نوعين، الأول كتابة تنفيسية، وهدفها التخفّف من الأحمال الذهنية والنفسية على الورق، وتتم عبر كتابة الأحاسيس والأفكار كما هي بلا مراجعة ولا تصحيح، والثاني كتابة إعادة البناء، وقد تستدعي العودة إلى التدوينات السابقة، وإعادة قراءتها واستكمالها أو التعليق عليها. تُشبِّه الكاتبة هذه العملية بالنحت، وتربطها على نحو ما بفن العمارة. وهي تُشجعنا على ممارسة النوع الأول خصوصاً، حتى لو قررنا بعدها حرق ما كتبنا، إما لغرض التخلص تماماً من العبء النفسي وبدء صفحة جديدة، وإما بغرض ألا يقع المكتوب في يد سوانا.

كتابة الجسد المُكابد التي يمكن اللجوء إليها في الأوقات العسيرة

على السهولة المُتخيَّلة لهذا النوع من الكتابة، تعترف ديتامبل بأن للتدوين الشخصي أزماته أيضاً. حين نمر مثلاً بمحنة ما، ونسعى لكتابة ما نختبره نفسياً بلا فائدة. قد لا نُنتج سوى بضع عبارات منقوصة، ما يُشعرنا بالإحباط وخيبة الأمل. في هذه الحالة، مثل الأدباء الكبار إزاء سدة الكتابة، علينا الاستعانة بالصبر، وربما حتى اللجوء إلى القراءة، علّها تساعدنا في تجاوز هذه اللعثمة العابرة.

عام 1992، أسس الباحث الفرنسي فيليب لوجين جمعية السيرة الذاتية والتراث السير ذاتي وتعمل على استقبال وحفظ ودراسة جميع أنواع الدفاتر الشخصية من العامة قبل الخاصة. يلجأ أصحاب هذه المخطوطات إلى الجمعية أساساً "خشية وقوع كتاباتهم في أيدي العائلة". ويقول الباحث لمؤلفة الكتاب إنه "فوجئ بجدية هذه الكتابات وقوة لغتها وجمالها".

في هذا السياق، يميل المعالجون بالفن والأطباء النفسيون أكثر إلى الكتابة اليدوية مقارنة بالكتابة الإلكترونية، لأن المزاج المسيطر علينا ساعة رسم الحروف والأشكال يحفظ أثراً من حالتنا النفسية والمزاجية في لحظة بعينها. إن الكتابة بهذا الشكل هي "بديل للجسد"، وتمثل حضوراً جسدانياً مُستقلاً ومريحاً لمَنْ يكتب. ولا تمل ديتامبل من الربط بين الكتابة الشخصية وبين القراءة، فكلٌ منهما تُغذي الأخرى، إذ يمنحنا التدوين إمكانية التعليق على الأعمال الفنية والأدبية، والتعبير عن روابطنا العاطفية مع الشخصيات، وما تُذكرنا إياه من حياتنا.

وفقاً لعالم النفس الأميركي جيمس بينبكير، يمكن لفعل الكتابة "أن يقود إلى إعادة تنظيم معرفية وعاطفية تصحبها آثار إيجابية ملحوظة على الصحة والعافية". كما يُفيد التدوين الشخصي، وفقاً لتجارب العالِم نفسه، في تجاوز كرب ما بعد الصدمة، وتعزيز المزاج، عبر استدعاء الحدث الصادم والكتابة التعبيرية عنه. قد لا تكون هذه الكتابة سهلةً في حينها، قد تحتاج مُرافَقة وتُسبب الألم، هو لا يُنكر، إنها أقرب للعلاج بالكيّ من أي طريقة أخرى.

ثمة نوع أدبي يُدعى الكتابة السير مرضية L’autopathographie

وليس الاضطراب النفسي وحده ما يُمكن أن تُعيننا عليه الكتابة الشخصية بل الأمراض الجسدية كافة. لاحظت الروائية الإنكليزية فيرجينيا وولف أن موضوع المرض أقل حضوراً في الأدب مقارنة بموضوعات مثل الكفاح والغيرة مثلاً. كما أشارت إلى قصور اللغة الإنكليزية – وربما اللغات عموماً – في صكّ كلمات تصلح لوصف آلام جسدية محددة، من هنا نلجأ إلى لغة الجسد ونحن نصف لأطبائنا أوجاعنا مثلاً.

ثمة نوع أدبي مُستقل اسمه الكتابة السير مرضية L’autopathographie ويُطلق على الكتابات التي يصف فيها المؤلف تجربته الخاصة مع المرض، مُقدِّماً عبر التأمل العميق إضاءةً على هشاشة الوضع الإنساني إزاء المعاناة. من بين أشهر هذه الأعمال كتاب Mars للمؤلف السويسري فريتز زورن الذي كتب عن معاناته مع مرض السرطان على خلفية من نقد اجتماعي لاذع لطبقته وعائلته.

إنها كتابة الجسد المُكابِد كما تصفها الكاتبة، ويُمكن لأي منّا اللجوء إليها في الأوقات العسيرة. ولا تمضي ديتامبل قبل أن تستشهد برأي الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو حول الكتابة الشخصية التي رأى أنها تنتمي إلى ما يُطلق عليه "هوس الذات"، ويوصي فوكو بتخصيص بضع دقائق يومياً للتفكير كتابةً في أيامنا.

 

المساهمون