كافكا في سبع ترجمات.. لماذا لا تنتهي محاكمة جوزيف. ك عربياً؟

03 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 06:03 (توقيت القدس)
كُتب كافكا في أحد محلات براغ، 14 يوليو/ تموز 2024 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- استمرار تأثير "المحاكمة" في العالم العربي: تواصل الرواية جذب القراء العرب بفضل نقدها للبيروقراطية والسلطة، مما جعلها مرجعاً لنقد الدولة والرقابة، مع سبع ترجمات عربية بين 2019 و2026.

- تأثير كافكا على الأدب العربي: امتد تأثير كافكا إلى الشعر والأدب العربي، حيث استلهم شعراء مثل محمود درويش وسميح القاسم من عالمه، كما يظهر تأثيره في رواية "اللجنة" لصنع الله إبراهيم.

- جهود الترجمة العربية: لعب المترجمون دوراً مهماً في نقل "المحاكمة" إلى العربية، بدءاً من مصطفى ماهر عام 1970، مع شروحات ودراسات نقدية، مما ساهم في بناء مرجعية عربية لدراسة كافكا.

ربما لم تبدأ رواية بجملة استطاعت أن تتجاوز حدود الأدب مثلما فعلت "المحاكمة" لفرانز كافكا. فمنذ أكثر من قرن لا تزال تُقرأ وكأنها كُتبت عن إنسان اليوم الذي يجد نفسه في مواجهة سلطة لا تكشف وجهها، وقانون لا يستطيع فهمه، وتهمة لا يعرف مصدرها، فيما تتحول حياته إلى محاولة لإثبات براءة لم يطلبها أحد، فكيف أصبحت من أكثر الأعمال العالمية حضوراً في المكتبات العربية؟

الواقع يُعيد المحاكمة

بين عامي 2019 و2026 صدرت سبع ترجمات عربية لرواية المحاكمة، كان أحدثها طبعة دار ببلومانيا بترجمة مراد بنزرتي. ورغم اختلاف المترجمين والناشرين، ظل وقع الجملة الأولى في الرواية حاضراً مع اختلافات طفيفة في الصياغة "لا بدَّ أن أحداً وشى بجوزيف. ك، فقد قُبض عليه ذات صباح دون أن يقترف أي جريمة". يطرح هذا الحضور المتجدد للرواية تساؤلاً حول أهميتها، بينما تظل أعمال عالمية أخرى حبيسة ترجمات قديمة. نُشرت "المحاكمة" بعد عام على رحيل كافكا، ولم تتوقف منذ صدورها عن إنتاج قراءات جديدة، لأن عالمها ظل قابلاً للتأويل كلما تبدّلت أشكال السلطة والقانون، فرآها القراء عملاً ينتقد البيروقراطية الحديثة، ويطرح أسئلة الوجود الإنساني، ثم أصبحت لاحقاً مرجعاً لنقد الدولة والرقابة والهيمنة، مما منحها القدرة على تجاوز زمنها.

يرى الباحث والناقد البريطاني جوزيف أوين في دراسته "اقتباس رواية المحاكمة لكافكا" (2026) أن شخصية جوزيف. ك أصبحت نموذجاً للإنسان المعاصر الذي يعيش داخل أنظمة تراقبه باستمرار، بينما تتداخل الحدود بين القانون والسياسة، وبين الأمن والحياة الخاصة. فلا يعرف جريمته ولا من يتهمه، ولا الطريق إلى القانون الذي يمكن أن يدافع به عن نفسه، فيما تمتد سلطة المحكمة إلى عمله ومنزله وعلاقاته وحتى جسده، في صورة تكاد تختصر كثيراً من هواجس الإنسان المعاصر. ويذهب أوين إلى أن مأساة جوزيف ك. لا تكمن في العقوبة وحدها، بل في اضطراره إلى مراجعة حياته بحثاً عن ذنب مجهول، لتتحول السلطة من قوة تفرض العقاب إلى منظومة تدفع الفرد إلى مراقبة ذاته بنفسه، والامتثال طوعاً لآليات تحد من حريته.

وربما تتحقق هذه الرؤية في مقولة نجيب محفوظ "عرفت كافكا قبل أربعين عاماً أو يزيد، لكنني التقيت به عياناً بعد هزيمة 1967 بوجه خاص". محفوظ لا يشير إلى قراءة جديدة لكافكا، بقدر ما يعلن انتقال عالمه من صفحات الرواية إلى الواقع، إذ بعد الهزيمة وما رافقها من غياب الشفافية واتساع سلطة المؤسسات وتحميل أفراد بعينهم مسؤولية الإخفاق، وجد محفوظ أن جوزيف لم يعد شخصية متخيلة، بل صورة يمكن أن تتكرر في الحياة العربية نفسها. ومن هذا الإدراك انطلق أيضاً صنع الله إبراهيم في روايته "اللجنة" (1981)، فبطل الرواية يواجه مؤسسة غامضة لا تكشف طبيعتها ولا معاييرها، وتدفعه إلى الشك في أفكاره وقيمه بينما يواصل البحث عن وسيلة للدفاع عن نفسه، مما يشير إلى أن المحاكمة لم تعد حدثاً روائياً، بل بنية واقعية يمكن أن توجد في أكثر من زمان ومكان.

يعيش بطل الرواية في ظلّ سلطة قمعية لا تبرر أفعالها

المتهم ينطق بالعربية

لم يقتصر حضور كافكا على الرواية العربية، بل امتد إلى الشعر أيضاً، فمثلاً، كتب محمود درويش قصيدته "بيروت" عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، قائلاً: "وجدتُ كافكا تحت جلدي نائماً وملائماً لعباءة الكابوس والبوليس فينا"، في إشارة رمزية لعالم تتداخل فيه السلطة بالخوف، ويصبح الإنسان فيه غريباً داخل حياته تحت وطأة الاحتلال الذي يقتل أصحاب الحقوق دون تهمة. وتتسع هذه الصورة في المراسلات التي تبادلها الشاعر سميح القاسم مع درويش في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، إذ يتخيل كافكا واقفاً على منبر الأمم المتحدة يلقي خطاباً يشير فيه إلى أنه حذر من مغبة الظلم والفساد في أعماله، في استعارة تختزل عجز العالم عن إنصاف الفلسطينيين. 

ولا يقف هذا الحضور عند حدود التأثر الأدبي، بل يتحول إلى ظاهرة ثقافية أوسع، وهو ما يلفت إليه المؤرخ الكندي الألماني، ينس هانسن، في دراسته "كافكا والعرب" (2012)، إذ يرى أن "المحاكمة" لم تُستقبل في العالم العربي باعتبارها نموذجاً للحداثة الأوروبية فحسب، وإنما بوصفها نصاً يملك قدرة استثنائية على تفسير تجارب الاحتلال والقمع والفساد القانوني وانغلاق المؤسسات. فالعرب، بحسب هانسن، لم يقرؤوا جوزيف ك. باعتباره موظفاً في براغ، بل رأوا فيه الإنسان الذي يعيش في ظلّ سلطة لا تبرر أفعالها، ومحكمة لا تكشف قوانينها، وعدالة مؤجلة لا يصل إليها أحد، ولعل هذا ما يفسر استمرار حضوره في الوعي العربي حتى اليوم.

نص حاضر وعدالة غائبة

هذا الحضور لـ"المحاكمة"، ينتمي أيضاً إلى جهود بذلها المترجمون العرب، إذ أنجز المصري مصطفى ماهر أول ترجمة عربية كاملة للرواية عن اللغة الألمانية مباشرة عام 1970، واختار لها عنوان "القضية"، وصدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، قبل أن يُعاد نشرها لاحقاً ضمن سلسلة "ميراث الترجمة". وتميزت بالحفاظ على لغة كافكا التقريرية الصارمة البعيدة عن أي جماليات، التي تعكس برودة الإجراءات البيروقراطية، وقسوة العالم الذي يعيش فيه جوزيف. ك.

امتدّ تأثير العمل على تجارب شعرية وروائية عربية عدة

أيضاً، نقل المترجم السوري إبراهيم وطفي الأعمال الكاملة لكافكا وصدرت عام 2002، ثم أعيد نشرها من قبل دور نشر عربية خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، وتتميز بأنها مرفقة بشروح معرفية، كما خُصص المجلد الثاني منها لرواية "المحاكمة" مضافاً إليه إحدى وعشرين دراسة نقدية تناولتها من زوايا فلسفية وأدبية وقانونية مختلفة، لتغدو ترجمته نموذجاً للمشروع الثقافي الذي يتجاوز نقل النص وصولاً إلى بناء مرجعية عربية لدراسته. 

واستمرت هذه الترجمات في الأعوام اللاحقة؛ فقدمت منشورات تكوين بالاشتراك مع دار الرافدين ودار ممدوح عدوان طبعة جديدة عام 2018 ترجمها نبيل الحفار، إضافة إلى طبعات أخرى لدور نشر سورية ومصرية وأردنية وغيرها، وصولاً إلى عامي 2025 و2026، مما يكشف أهمية هذه الرواية وحضورها الذي لا يقتصر على مسألة انتهاء حقوق النشر ودخولها حيز الربح التجاري، إذ ما زالت تجسّد للقارئ مساءلة العدالة في مختلف صورها التقليدية، والأخرى المعاصرة التي نعيشها اليوم.