كاتب من العالم: مع كو كو ثيت

كاتب من العالم: مع كو كو ثيت

11 مايو 2021
الصورة
كو كو ثيت (ت: فيكتور شين)
+ الخط -

■ كيف تقدّم المشهد الأدبي في بلدك لقارئ لا يعرفه؟
لا تزالُ ميانمار، ومنذُ الانقلابِ العسكري في شباط/ فبراير 2021، تحتَ الحصار. ينبغي أن يكون المشهدُ الأدبي للبلاد اليوم عبارةً عن وضع رباعي الأبعاد، وهو نفس السيناريو الذي يتعامل من خلاله أي شخص في أي منطقةٍ مُحتلّة: مشهدٌ رهيبٌ وبائسٌ وغارقٌ في الدّم ومليءٌ بالتحدّيات. كان الشعراء في الخطوط الأمامية للاحتجاجات. قُتِلَ ك. زا وين، الشاعر الذي قمتُ بترجمة قصائده في كانون الثاني/ يناير، في الاحتجاجات في الثالث من آذار/ مارس. وهناك العديد من الشعراء الآخرين الذين قمتُ بترجمتِهِم هم إمّا في السجن أو مُختَفون. أسألُ نفسي من بيتي الآمن في المملكة المتحدة: هل ينبغي أن تَذبُلَ كُلُّ زهرةٍ ألمِسُها؟ وعلى الرغم من القضاء على جميع أشكال المعارَضة بقوة السلاح، إلا أن هناك انتشارا لقصائدِ الاحتجاجاتِ الخاصة بما يطلق عليه اسم "الربيع البورمي".

■ كيف تقدّم عملك لقارئ جديد، وبأيّ كتاب لك تنصحه أن يبدأ؟
عندما أكتبُ باللغة الإنكليزية، أرغبُ في تقديم عملي كقصائد بورميّة بالإنكليزية. وعندما أكتبُ باللغة البورميّة، أحاولُ أن أبدو بورميّاً أصيلاً قدرَ الإمكان. أمّا ما هي "الأصالة" في خليط غريب مثل الثقافة البورمية فهذا سؤال آخر بالطبع. سيكون كتاب "عبءُ أن تكون بورميّاً" باللغة الإنكليزية بدايةً جيدة. كما أوصي القرّاء البورميّين بكتابِ "تكلفةُ الفنّ".

■ ما السؤال الذي يشغلك هذه الأيام؟
أن أكون سعيداً كمستهلكٍ في مجتمع السوق هذا، وأن أتركَ أقلَّ قدرٍ ممكنٍ من آثارِ الكربون عندما أرحل. لا يمكنُ التوفيقُ بين هذين الأمرين بكلِّ تأكيد. سأظلُّ مُستهلكاً حزيناً طالما أنّني غيرُ قادرٍ على العيشِ خارجَ شبكةِ الإنتاجِ المُعقّدة وزراعةَ طعامي بنفسي. أمّا القضية الأُخرى فهي الدول الفاشلة مثل ميانمار وسورية، البلدانُ التي عانتْ لفترةٍ طويلةٍ وكانت عصيّةً على الإصلاح، هل ستُصلِحُ هذه البلادُ نفسَها يوماً؟

■ ما أكثر ما تحبّه في الثقافة التي تنتمي إليها وما هو أكثر ما تتمنى تغييره فيها؟
تُعجبني جوانبُ الثقافة الريفيّة البورميّة التي لم تتأثّر بعدُ بالسعيِ فقط وراءَ المكاسبِ الشخصيّة، والأماكنُ التي لم يَنكُبها بعدُ الطوبُ والإسمنت. الفضائلُ اليومية للناس العاديين مثل اللطافةِ والكياسةِ والكرمِ والشجاعةِ والإيثارِ، والتي عادةً ما تتألّقُ بأبهى صُوَرِها خلال فتراتِ الاستبدادِ الوحشي. أعتقدُ أن كلاً من النظام الأبوي والنظام الأمومي يميلان إلى أن يكونا أنظمةً سُلطويّةً في ثقافةٍ مثل ثقافتنا، وينبغي لهذا أن يتغيّر.

ميانمار وسورية، هل ستُصلِحُ هذه البلادُ نفسَها يوماً؟

■ لو قيض لك البدء من جديد، أي مسار كنت ستختار؟
أتمنّى أن أتمكّنَ من كتابةِ الشعر في أنقى صورِهِ الروحيّة على طريقة الحكماء القدامى. كنتُ أتمنى لو كنتُ قادراً على التعالي عن المشاغل الدنيوية مثل السياسة أو كرة القدم عندما كنتُ شاباً. أمّا إذا كنتُ سأبدأ من جديد، فعندها سأغدو إنساناً أقلّ أنانيةٍ وأكثر لطفاً ومراعاة للأهل والعُشّاق والطبيعة.

■ ما هو التغيير الذي تنتظره أو تريده في العالم؟
يحتاجُ كلُّ جانبٍ من جوانبِ هذا العالم المُتمركِزِ حولَ الإنسان تقريباً إلى التغيير.

■ شخصية من الماضي تودّ لقاءها، ولماذا هي بالذات؟ 
أرغبُ في لقاء الشاعرِ والكاتبِ المسرحي والمُؤلّفِ الموسيقي البورمي في القرن التاسع عشر يو بونيا. لا تزال كتاباتُه باللغة البورمية فريدةً وحداثيةً على نحوٍ مُدهِشٍ حتى يومنا هذا. خدم يو بونيا في بلاط الملك ميندون، وكانت يدُهُ اليمنى أقصرَ من اليسرى ولم يكن جسمُه "مُكتَمِلَ التكوين"، ما منعه من أن يَشغَلَ منصِباً أعلى في المحكمةِ البورميّة العُليا. وعلى الرّغم من الإعاقة، أو ربما بسبب هذه الإعاقة بالذات، فقد تمتّع بنظرة ثاقبة في الحياة، وخاصة حول الفقراء والمحرومين. كان يو بونيا مُنجّماً وخيميائيّاً بارعاً أيضاً، وقد جعلتهُ الخيمياءُ قريباً من الملك ميندون الذي كان شغوفاً بالخيمياء كطريقة روحية. ولكنُّه قُتِلَ بسبب التنجيم على يد أتباع ميندون، والذين اكتشفوا أنه كان متواطئاً في تمرّدٍ فاشلٍ ضد ميندون نفسه، فقد كان يو بونيا هو الذي حدّدَ تاريخَ التمرّدِ في القصر عام 1866.

الصورة
"عبء أن تكون بورمياً"
غلاف مجموعة "عبء أن تكون بورمياً"

■ ما هو، في اعتقادك، أكبر خطر على حرية الكاتب والكتابة في العالم اليوم؟
أظنُّ أن التحدّي الأكبر لحريّةِ أيّ كاتبٍ في عالم اليوم يتمثّل في رفاهيتِه وإحساسِه بوجود هدفٍ ما فيما يتعلّق بالسوق. السوق موجود في كل مكان، وهو الذي يحدِّدُ ما يمكن أن يمتلكه الكتّاب وما لا يمكنهم الحصول عليه. يفرِضُ السوقُ القواعدَ اللغويّة وغالباً ما يُحدِّدُ ما يكتبه الكُتّاب. لا يكون الكتّاب أحراراً إلا إذا كانوا فوق السوق. 

■ ما هي قضيتك وهل يمكن أن تكون الكتابة قضية بذاتها؟
أنا قلقٌ بشأن الأطفال النُدّل في ميانمار، وقلقٌ بشأن تلوثِ المحيطات ونقصِ المياه اللائقة والهواء القابل للتنفّس في كل مكان. إنني قلقٌ بشأن الكيفيّة التي تتكشّف بها الثورات المسلّحة بأمرٍ من السياسيين، حيث تتم التضحية دائماً بالجيل الشاب. أنا قلقٌ في الحقيقة من أنّني رُبّما أقلقُ كثيراً وزيادةً عن اللزوم.

■ الأدب العالمي يكتبه المترجمون، إلى أيّ درجة توافق على هذه المقولة، وإلى أيّ درجة كتبك المترجمون؟
الأدبُ العالمي طريقٌ ذو اتجاهٍ واحدٍ من اللغةِ الصغيرةِ إلى اللغةِ الكبيرة. يزدهِرُ معظمُ المترجمين المعروفين في اللغات المهيمنة مثل الإنكليزية أو الإسبانية أو الصينية. في هذا السياق يمكنني القولُ: نعم، الأدبُ العالمي يكتُبُهُ المترجمون، بمن فيهم أنا، والذين يترجمونَ إلى اللغات الكبيرة. هل لدينا ما يكفي من ترجمات التُّحَفِ الأدبيّة من لغةٍ صغيرةٍ إلى لغةٍ أُخرى صغيرة؟ لا! وعلينا حقاً أن نتساءَلَ لماذا؟

■ كيف تصف علاقتك مع اللغة التي تكتب فيها؟
أنا محكوم بالكتابة بلغة ثانية، ولستُ واثقاً أبداً من مهاراتي في اللغة الإنكليزية. ألا يقولون إن الأطفال في رحم أمهاتهم يستمعون إلى الموسيقى أو إلى محادثات والديهم؟ كانت إحدى أسعد لحظاتِ حياتي عندما عدتُ للعيش في ميانمار في عام 2015، بعد ما يقرب من 20 عاماً من العيش في المنفى، لإعادةِ اكتشافِ بهجةِ اللغةِ التي كنتُ أعرفُها منذُ أن كنتُ في رَحِمِ أمّي.

■ كاتب منسيّ من لغتك تودّ أن يقرأه العالم؟ 
الشاعر يو بونيا الذي ذكرتُه سابقاً ليس شاعراً منسيّاً تماماً أو غير معروف، ولكنّني ما زلتُ مُصرّاً على ذِكرِه. لقد دَرَسْنا بعض مسرحياتِه في المدرسة الثانوية في ميانمار، ولكنّني بحاجة إلى قراءته مجدَّداً. لقد تُرجِمَتْ بعضُ مسرحياتِه بالمناسبة إلى اللغة الإنكليزية.

أسألُ نفسي: هل ينبغي أن تَذبُلَ كُلُّ زهرةٍ ألمِسُها؟

■ لو بقي إنتاجك بعد 1000 سنة، كيف تحبّ أن تكون صورتك عند قرّائك؟
هذا احتمالٌ بعيدٌ للغاية. إذا أخذنا بعين الاعتبار المُعدّلَ الحاليّ لتدمير الذات الذي يمارسه الإنسان العاقل، فلا يسعني إلا رؤية مستقبل بائس. لقد تعلّمَ الذكاءُ الاصطناعي اليوم أن يُكرّرَ نفسَه وأن يتطوّر بنفسِه. كيف سيكون الذكاء الاصطناعي إذن بعدَ ألفِ عام؟
يمكنني أن أقول "للذكاء الاصطناعي بعد ألف عام من اليوم" كما قال جميس فليكر في قصيدته: "إلى شاعر يأتي بعد ألف عام":
"لن يرى وَجهَكَ أيُّ إنسان،
ولن يصافِحَكَ أحد.
لذلك أرسلُ إليكَ روحي عابرةً الزمانَ والمكانَ
لأُحيّيك. وأعرفُ تماماً أنّكَ لن تفهَمَني".

■ كلمة صغيرة شخصية لقارئ عربي يقرأ أعمالك اليوم؟
أرغبُ في قولِ العبارةِ العربيّة الوحيدة التي أعرُفها، والتي ليست مجرّد تحيّةٍ عادية بل عبارة عن رغبة عميقةٍ وصادقةٍ: السلام عليكم.


بطاقة
يُعرِّفُ كو كو ثيت Ko Ko Thett نفسَه بأنّه شاعرٌ باختياره وبورميٌّ بالصدفة. وُلد عام 1972. عمل محرِّراً ومترجماً أدبياً، ونُشرت قصائدُه في مجلّات أدبية في بلدان مختلفة، كما تُرجمت إلى عدّة لغات؛ مِن بينها الصينية والعربية والبرتغالية والروسية والألمانية والفنلندية. يكتب باللغتين البورمية والإنكليزية، وبالأخيرة، كتب مجموعته "عبء أن تكون بورمياً" (الغلاف) التي صدرت سنة 2015.

المساهمون