كاتب من العالم: مع جيهان أكتاش

كاتب من العالم: مع جيهان أكتاش

16 ابريل 2021
الصورة
(جيهان أكتاش)
+ الخط -

تقف هذه الزاوية مع كاتب من العالم في أسئلة سريعة حول انشغالاته وجديد إنتاجه وبعض ما يودّ مشاطرته مع قرّائه. "أفكّر هذه الأيام في كيفية إنتاج معنىً إيجابي لحالة الاستقطاب في بلادنا"، تقول الكاتبة التركية في حديثها إلى "العربي الجديد".


■ كيف تقدّمين المشهد الأدبي والثقافي في بلدكِ لقارئ لا يعرفه؟

- لا يمكن التفكير في الوسط الأدبي والثقافي في تركيا بعيداً عن لغة الاستقطاب السياسي. اللغة السائدة لدينا هي لغة السخرية. وقد شهدت القصّة القصيرة في تركيا انتعاشاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة. من ناحية أخرى، لدينا القراء الذين يهتمّون بالرواية أيضاً، ويمكن أن أقول إننا قد تغلّبنا بشكل كبير على الصدمة الثقافية التي أحدثتها التكنولوجيا الرقمية. لدينا كُتّاب من جميع الأعمار يُصدرون كتباً أدبية، بغضّ النظر عن الجودة، لكنّهم يحاولون البحث عن طرق جديدة.


■ كيف تقدّمين عملك لقارئ جديد، وبأي كتاب لك تنصحينه أن يبدأ؟

- يمكن اعتبار أعمالي مجموعةً من الصفحات المختلفة في رحلة طويلة. تُنشر أعمالي منذ سبعة وثلاثين عاماً، وربّما تختلف توصيتي للقارئ حسب مرحلته العمرية وميوله الشخصية. في العام الماضي نُشر لي كتابٌ أصف فيه الأحداث المختلفة التي أثّرت في حياتي، وطريقة عملي ورؤيتي للحياة، وهو عبارة عن يوميّات كتبتها في مدينة سياتل بواشنطن، عندما ذهبت إلى هناك من أجل ولادة حفيدي، وهي تتأرجح بين الماضي والحاضر، ويمكننا اعتبار هذا الكتاب بمثابة عتبةٍ لأعمالي.


■ ما السؤال الذي يشغلكِ هذه الأيام؟

- كثيراً ما أفكّر، هذه الأيام، في كيفية إنتاج معنىً إيجابي لحالة الاستقطاب في بلادنا. لم نتمكّن حتى الآن من التخلّص من تأثير انهيار الدولة العثمانية بشكل كامل. يجب أن نجد طريقاً حتى لا نقع في فكرة المظلومية. وبرأيي، يجب أن نفكّر في الأسئلة الكبرى الواضحة أمام أعيننا، مثل الفجوات الكبيرة التي نلاحظها بين رواتب الناس، وطرق التعامل مع اللاجئين، وقتل النساء، وإعادة التفكير في مدى حاجتنا الحقيقية إلى كلّ هذه المباني الإسمنتية.

ستظل الكتابة موجودة: بريش الحمام أو لوحة المفاتي

■ ما أكثر ما تحبّينه في الثقافة التي تنتمين إليها وما هو أكثر ما تتمنّين تغييره فيها؟

- إننا نعيش في جغرافيا صعبة، وأعتقد أنّنا لا نحب أن تُمارس علينا الهيمنة والتّحَكُّم، ولذلك تجد تاريخَنا مضطرباً. ولحسن الحظ أنّنا نحبّ الضيافة والكرم والحديث مع الآخرين. لقد غيّر القرن العشرون نظرة الإنسان إلى الحياة، كما غيّرت الجائحة نظرة أغلب الناس إلى الحياة. دائماً ما أودّ تغيير دوافع الناس إلى الهجرة، وأن أحافظ على المساحات الخضراء من توسّع المقاولين، وأن أعوِّد الذين سلّموا أنفسهم إلى شاشات التلفزيون على حبّ القراءة.


■ لو قيض لكِ البدء من جديد، أي مسار كنت ستختارين؟

- كنت سأسلكُ الطريق نفسه، غالباً. لقد تلقّيت تعليمي في مدارس كانت ترى الفلسفة الوضعية باعتبارها أيديولوجيا تشكّل كلّ مناحي الحياة. إلّا أن التعليم لا يتمّ تحصيله من المدارس فقط. لقد ناضلت كثيراً من أجل أن تصبح للمضطهدين طريقتهم الخاصة في التعبير عن أنفسهم. ولم أكن يوماً صديقة للذين يحقّقون انتصاراتهم عبر تحطيم قلوب الضعفاء وإهانة كرامتهم.


■ ما هو التغيير الذي تنتظرين أو تريدين في العالم؟

- يقول أحد أبطال الروائي إريك ماريا ريمارك: "يُطلَق اليوم على المعتدي لقبُ حافظ السلام". أتمنّى أن ينتهي عمل اللوبيات المسلّحة في العالم، فنحن لدينا القدرة على التفكير، ولدينا قلوب أيضاً، ويجب أن نكون قد تعلّمنا حتى الآن كيف نجلب السعادة والسلام إلى العالم.

الصورة
غلاف "نزهة مثالثة" ـ القسم الثقافي

■ شخصية من الماضي تودّين لقاءها، ولماذا هي بالذات؟ 

- إذا كان لي أن أسمّي شخصاً واحداً، فهو النبي محمّد. إلى أيّ مدى فُهمت رسالته عبر القرون؟ لدينا مصادر حول ذلك بالتأكيد، ولكن سيكون الأمر تربوياً أكثر وتهذيبيّاً أكثر إذا جلسنا مع هذا الشخص المُوقَّر ليعلّمنا هذه المصادر من كل الجوانب.


■ ما هو، في اعتقادك، أكبر خطر على حرية الكاتب والكتابة في العالم اليوم؟

- القراءة دائماً فِعلٌ شامل، له وسائل مختلفة، تتغيّر من وقت لآخر. إن الإنسان يقرأ دائماً، بطريقة أو بأخرى، وهذا يوضح أن فعل الكتابة سيظل موجوداً دائماً، سواء كان بريش الحمام أو بلوحة المفاتيح. لدى القلم قدرة دائمة على مواكبة العصر.

اللغة مساحة الكاتب، لكنْ يجب ألّا تتحول إلى زنزانة

■ ما هي قضيتك وهل يمكن أن تكون الكتابة قضية بذاتها؟

- ككلّ الكُتّاب، تعلّمت الكثير من الأشياء أثناء الكتابة، وأواصل التعلُّم حتّى الآن. نظنّ في أول الأمر أننا سننقذ البشرية، ثم نكتشف ضُعفَنا بعد ذلك، أو مدى جودة ما نكتب، كما تتغيّر أولوياتنا أيضاً. الكتابة بالنسبة إلي هي الطريقة التي أتمنّى أن أصل بها إلى مَن لا حيلة لهم. وفترة كتابتي تكون بمثابة ورشةٍ لاكتشاف مغامرتي على الأرض.


■ "الأدب العالمي يكتبه المترجمون"، إلى أي درجة توافقين على هذه المقولة وإلى أي درجة كتبك المترجمون؟

- لستُ بتلك الكاتبة التي تُرجِمت أعمالها إلى كثيرٍ من اللغات. تُرجمت فقط بعض قصصي إلى الإيطالية والإنكليزية والعربية، وكانت إحدى رواياتي ستُترجم إلى الفارسية، لكنني لاحظت عدم قدرة المترجم على القيام بهذا العمل، وقلتُ له رأيي حول ذلك. أعتقد أن الترجمة تعني الكتابةَ من جديد. وبلا شكّ، لا يعكس المترجِم روحَ الكاتب بشكل كاف.


■ كيف تصفين علاقتك مع اللغة التي تكتبين بها؟

- عشتُ في إيران لسنوات، وكنت حريصة على ألّا أتحدث بالفارسية في بيتي حتّى يتكلّم أطفالي التركية بشكل صحيح. اللغة هي مساحة الكاتب، لكنْ يجب ألّا تتحول إلى زنزانة. اللغة هي وطن الكاتب دائماً، وأعتقد أن المنفى يُعطي للغة عمقاً وثراءً. 

الصورة
جيهان أكتاش - القسم الثقافي

■ كاتب منسي من لغتك تودّين أن يقرأه العالم؟ 

- أحضّر الآن لنشر روايتي عن الشاعرة جيفريا بانو، التي أحرقت ديوانها عام 1914، قبل موتها بعامين. وقد أحرقته ظنّاً منها أن الناس سيفهمون أشعارها بشكل خاطئ. ظلّت هذه الشاعرة بعيدة عن الزواج لأنها كانت مسؤولة عن عائلتها، حيث عاشت في قصر صغير بقرية في الأناضول. ولا يمكننا النظر إلى مسالة إحراق أشعارها بعيداً عن فكرة النظر إلى نصوص النساء في سياق "إفشاء الخصوصية".


■ لو بقي إنتاجك بعد 1000 سنة، كيف تحبين أن تكون صورتك عند قرّائك؟

- أتمنى أن تكون ولو جملةٌ واحدة ممّا أكتب مصدرَ إلهامٍ للذين يواجهون ظروفاً صعبة. وأودّ أن أُعرف بأنني كاتبة لم تكن عمياء وصمّاء أمام قضايا عصرها. وعلى حدّ تعبير القاصّ التركي عمر سيف الدين، فإن القصص ليست فقط في الكتب المُذَهّبة على أرفف المكتبات.


■ كلمة صغيرة شخصية لقارئ عربي يقرأ أعمالك اليوم؟

- أودّ أن أشارككم رأي مالك بن نبي، في الخمسينيات، حول المشاكل الثقافية في العالم الإسلامي: "إن المجتمعات الإسلامية تفتقد الروابط التي تعزّز الدينامية الثقافية، وهو ما يجعل المجتمعات الثقافية تدور في مدار عقيم". الكتابة هي البحث عن قول شيءٍ ما دائماً. والأعمال التي تقدّمها صديقتنا بَرَان بيرسايجيلي موت، حول فلسطين الآن، هي أعمالٌ مهمة ونادرة في تركيا اليوم. وأتمنّى أن تصبح علاقاتنا أكثر عمقاً.


بطاقة

CİHAN AKTAŞ قاصة وروائية وباحثة تركية ولدت عام 1960 في مدينة أرزنجان. أنهت دراسة الهندسة المعمارية عام 1982، وعملت في مجال المعمار إلى جانب العمل في الصحافة والتدريس. صدرت لها عدة مجموعات قصصية، أبرزها: "طفل الانقلابات الثلاثة" (1991)، و"غرف بلا جدران" (2005)، و"نزهة مثالية" (2009)، و"ما لا يُنسى" (2018). كما أصدرت عدة روايات، من بينها: "اكتب لي رسائل طويلة" (2002)، و"شخص يستمع إليك" (2007)، و"قريب من الحدود" (2013)، و"زفاف شيرين" (2016). بالإضافة إلى بعض الكتب البحثية، مثل: "خطبة الوداع" (1985)، و"شعر الشرق: السينما الإيرانية" (1995)، و"تجربة المجال العام للنساء الإسلاميات" (2001)، و"الانسجام مع الرياح" (2018). 

المساهمون