كاتب من العالم: مع جانكارلو بونتيجيا

26 أكتوبر 2020
الصورة
جانكارلو بونتيجيا (ت: دينو إجناني)
+ الخط -

تقف هذه الزاوية، مع كاتب من العالم في أسئلة سريعة حول انشغالاته الإبداعية وجديد إنتاجه وبعض ما يودّ مشاطرته مع القارئ العربي. "في القرن العشرين كنّا مرعوبين من الأفكار المتطرفة، أما اليوم فمن الشعور بالفراغ". يقول الشاعر والناقد الإيطالي لـ "العربي الجديد".


■ كيف تقدّم المشهد الأدبي والثقافي في بلدك لقارئ لا يعرفه؟
- في الظلّ وفي مكان خفي، حديقة شِعر زاخرة بالمفاجآت. حولها، مزارع كبيرة للروايات، مخصّبة من قبل مُزارعي نشرٍ مجتهدين. إعلام يتغذّى على التفاهة والتبجّح. ومثقفون يغازلون الغرائز الدنيا للجماهير. شعور سائد بنهاية وشيكة.


■ كيف تقدّم عملك لقارئ جديد، وبأي كتاب لك تنصحه أن يبدأ؟
- تًشكّل دواويني الثلاثة كتابًا واحدًا، موزّعا على ثلاثة أقسام كبيرة: "كلمات قًصيّة" أصفه بأنه كتابٌ ـ حديقة، فيه تُزهر الكلمات على مر العصور، تلك الكلمات التي تأتي من بعيد، من تقاليد نائية؛ أما "غابة الزمن" فهو عبارة عن تأملات في زمن هذه الحياة التي أتخيلها كغابة بمساحاتها ومساراتها، نتيه داخلها ونعود؛ أما "حركة الأشياء" فينفتح على مساحات كونية، شاسعة ومذهلة، كالموسيقى التي تبهرنا وتخيفنا في آن.


■ ما السؤال الذي يشغلك هذه الأيام؟
- أرى عالماً تحرّكه قوى غير عقلانية ونافرة: عالم تُترجم فيه التعاسة والقلق الوجودي - اللذان يجري التلاعب بهما بواسطة تقنية متزايدة القوة - إلى ضغينة ضد الحياة وضد الإنسان. في القرن العشرين كنا مرعوبين من الأفكار المتطرفة، أما اليوم فمن الشعور بالفراغ الذي يحاصرنا.


■ لو قيض لك البدء من جديد، أي مسار كنت ستختار؟
- لست أنا من اخترت حياتي، ولم يصلني منها أي نداء داخلي: الحياة هي التي اختارتني، وقادتني في شوارعها، كقارب تدفعه التيارات. إذا كنت لأولد ثانية، وهي الطريقة الوحيدة للانطلاق مجددا، فسأسلّم نفسي مرة أخرى لقوى الحظ، وسأدع كل شيء يحدث كما ينبغي له أن يقع. فالسرّ العظيم في الحياة يظل هو السعادة، السعادة الحقيقية، الكامنة في القلب: لا شيء يستحق العناء إذا لم نحصل على تلك العطيّة.


■ ما هو التغيير الذي تنتظره أو تريده في العالم؟
- لو كنت لا أزال شابا لأعطيتك عددا لا حصر له من الإجابات: الآن، يبدو لي أن العالم مُعدم، رجال مهانون ومهدورو الكرامة، أوقات قاسية للغاية، لدرجة أنني لا أعرف من أين أبدأ.


■ شخصية من الماضي تودّ لقاءها، ولماذا هي بالذات؟ 
عالم الفلك اليوناني العظيم "هيبارخوس نيقية" الذي حدّد إحداثيات أكثر من ألف نجم. أود أن أقابله في جزيرة رودس، حيث عاش لفترة طويلة، أتأمل معه سماء الليل، وأتابعه في ملاحظاته، وهو يرسم خرائط القبّة السماوية. يحدّد مدة الفصول، أو يتنبأ بالخسوف والكسوف: من يدري كنت سأجد الشجاعة لكتابة تلك القصيدة السماوية التي لطالما أردتها، ولن أكتبها أبدًا.

■ ما هو، في اعتقادك، أكبر خطر على حرية الكاتب والكتابة في العالم اليوم؟
- الجبروت والهوس بالمال، الذي يرهن كل خيار في الحياة: لم يعد الناشرون يريدون كتبًا رائعة، إنهم يخشون من تمارين فكرية مُفرطة في التعقيد، بينما يستهدفون جمهورًا بسيطا، عليك أن ترضيه كطفل غرفته مليئة بالألعاب عديمة الفائدة، طفل بغيض ومدلل.


■ ما هي قضيتك وهل يمكن أن تكون الكتابة قضية بذاتها؟
- الكتابة تعني إطاعة الأسباب العميقة للحياة ولوجود الإنسان: كلمةٌ للحرية وللحق، تتغذى في الوقت عينه من الواقع واليوتوبيا التي لا تتراجع أمام الشر الكامن في الأشياء، ولكنها تصر على محبة الخير للجميع.


■ الأدب العالمي يكتبه المترجمون، إلى أي درجة توافق على هذه المقولة وإلى أي درجة كتبك المترجمون؟
- ساراماغو لاحظ أن الكُتّاب يصنعون الأدب الوطني، أما المترجمون فيصنعون الأدب العالمي. عالمان يتقاطعان باستمرار، ويعطيان الحياة أيضًا لحقيقتين متوازيتين: كل ترجمة هي إعادة خلق، وإعادة تفسير للنص. حياة جديدة. لكن من يكتب يجب أن يغرق في جسد لغته الوحيدة، ويشعر بثقلها وتوترها الأخلاقي.


■ كيف تصف علاقتك مع اللغة التي تكتب فيها؟
- اللغة هي كل شيء في الشعر. يلاحق الشعراء الأصوات التي تغدو معنى، ومعاني تصبح أصواتا. لا أستطيع أن أتخيلها على أنها شيء آخر غير متاهة نضيع فيها: وويل لنا إذا لم يكن لدينا خيط نعثر من خلاله على المخرج، شيء كـ"أريادني" ينقذنا.     [في الميثولوجيا الإغريقية القديمة عندما أتى ثيسيوس ليقتل مينوتور وقعت "أريادني" ابنة ملكة كريت في حبه ودلّته على فكرة الخيط الذي وضعه في بداية المتاهة وأرشده إلى طريق الخروج من الجزيرة/ المترجمة].


■ كاتب منسي من لغتك تودّ أن يقرأه العالم؟ 
- أليساندرو ريتشي Alessandro Ricci 1943-2004، شاعر تم تجاهله كثيرًا، ولم أقرأ أعماله إلا بعد وفاته: يبدو أحيانًا أن قصائده، خاصة تلك المتعلقة بالمادة القديمة ذات الإطار التاريخي، قادرة على منافسة شعر كافافيس العظيم.


■ لو بقي إنتاجك بعد 1000 سنة، كيف تحب أن تكون صورتك عند قرّائك؟
- آلاف السنين هي للعظماء فقط، أولئك الذين سيبقون إلى الأبد. منّي، أود فقط أن تبقى هذه القصيدة القصيرة، دون أن يعرف أحد كاتبها:
"فلتعصف بنا الورود وظلمات الصّيف  
عتمةُ عينيكِ حياة".


■ كلمة صغيرة شخصية لقارئ عربي يقرأ أعمالك اليوم؟
- نحن جميعًا إخوة، بغض النظر عن اللغة التي نتحدثها، والدين الذي نعتنقه، والثقافة التي تغذّينا. كما كتب قبل أكثر من ألفي عام  تيرنتيوس Terentius، الكاتب المسرحي اللاتيني "لا وجود لإنسان لا يهمني أمره".


بطاقة 
Giancarlo Pontiggia
شاعر وكاتب وناقد إيطالي من مواليد 1952 بسيرينيو في إقليم لومبارديا. تخرّج من كلية الآداب في جامعة ميلانو، وعمل محرراً ثقافياً في عدد من المجلات الشعرية، وترجم من الفرنسية عددا من المجموعات الشعرية. حصل على العديد من الجوائز الشعرية الهامة في إيطاليا والعالم. يدرّس حاليا الأدب اللاتيني والإيطالي في ميلانو، ويتعاون كناقد أدبي مع صحيفة Avvenire.

المساهمون