كاتب مكانه بين الناس

13 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 14 أغسطس 2025 - 07:26 (توقيت القدس)
صنع الله إبراهيم في موقع تصوير بموسكو (أرشيف المخرج السوري محمد ملص)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تعرّض الروائي المصري صنع الله إبراهيم لكسر في مايو الماضي، كاشفًا عن جانب إنساني خلف صلابته المعهودة ككاتب يواجه السلطات بثبات. وُلد في القاهرة عام 1937، وبدأ مسيرته في الصحافة، مما عمّق وعيه السياسي والاجتماعي.
- رفض صنع الله الانخراط في المؤسسات الرسمية بعد خروجه من السجن، متمسكًا باستقلاليته الأخلاقية، ورفض جائزة الدولة التقديرية عام 2003 احتجاجًا على انتهاك الحريات.
- ظلّ وفيًا لجذوره اليسارية، مؤمنًا بأن التغيير يأتي من وعي الناس بتاريخهم وحقوقهم، ملهمًا أجيالًا من الكتّاب والصحافيين.

في صباح الأول من مايو/أيار الماضي، تعثّر الروائي المصري صنع الله إبراهيم في منزله وأصيب بكسور شديدة. لحظة إنسانية كشفت عن وجه آخر لصلابته المعهودة، إذ لم يعتد القرّاء ولا الوسط الثقافي أن يروا في صاحب "اللجنة" و"شرف" سوى الكاتب العنيد الذي يواجه المؤسسات والسلطات بعين ثابتة وقلم لا يهادن.

وُلد صنع الله إبراهيم في القاهرة عام 1937، في زمن التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى. بدأ حياته المهنية في الصحافة، وجعل منها معبراً لفهم الواقع ومساءلته. انخرط مبكراً في الحركة اليسارية، وقضى سنوات في السجن (1959–1964) خلال حملة السلطة الناصرية على الشيوعيين، وهو ما صقل وعيه وعمّق قناعته بأن الكتابة موقف ومسؤولية وليست ترفاً.

حين خرج من السجن، لم يسعَ صنع الله إبراهيم إلى ترميم حياته بالانخراط في المؤسسات الرسمية أو التقرب من السلطة، بل بدأ رحلة طويلة من العمل في الصحافة والسفر والكتابة الروائية، ملتزماً باستقلالية أخلاقية جعلته يرفض الجوائز أو يتعامل معها بحذر شديد. أشهر مواقفه رفضه جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي عام 2003 في حفل رسمي، بسبب ما اعتبره انتهاكاً للحريات العامة آنذاك. لم يكن ذلك الموقف مجرد احتجاج، بل امتداد طبيعي لمسار رجل آمن أن الكاتب لا يحق له أن يهادن على حساب ضميره.

ورغم صرامته، كان لصنع الله وجه إنساني يظهر في دوائر الأصدقاء والمقرّبين؛ قليل الكلام، يفضّل الإصغاء، وتخرج من كلماته روح الدعابة الممزوجة بالمرارة. عاش بتقشف اختياري بعيداً عن الأضواء، مقتنعاً أن المكان الطبيعي للكاتب هو بين الناس، لا في الصالونات المغلقة.

كان على قناعة بأن مكان الكاتب هو بين الناس لا في الصالونات المغلقة

ظلّ إبراهيم وفيّاً لجذوره اليسارية، لكنه لم يحوّل قناعاته إلى شعارات جامدة، إذ كان يرى أن الموقف السياسي الحقيقي يُختبر في لحظات الشدّة، حين يختفي التصفيق وتبقى الحقيقة وحدها. خلال انتفاضة يناير/ كانون الثاني 2011، لم يسعَ إلى تصدّر المشهد أو التحدث باسم أحد، بل كان حضوره في الميدان صامتاً وحادّاً في آن، يتنقل بين الحشود بعين الراصد وذاكرة من عاش القمع والتغيير في دورات متكررة. لم يكن أسير الماضي، بل قارئ نهم للحاضر، متابعاً التطورات التكنولوجية والسياسية، ومؤمناً أن التغيير في مصر لن يأتي إلا من الداخل عبر وعي الناس بتاريخهم وحقوقهم.

ربما كان سرّ تأثيره في الجمع بين الحدة والحنان، بين الرفض المطلق للسلطة حين تظلم، وبين القدرة على الإصغاء والتعاطف مع حكايات الناس البسطاء. لم يترك تلاميذ بالمعنى الأكاديمي، لكنه ألهم أجيالاً من الكتّاب والصحافيين الذين وجدوا في سيرته نموذجاً لالتزام الكاتب تجاه قضايا عصره.

لا يعني رحيل صنع الله إبراهيم  غياب صوته، لأن أعماله ومواقفه ستظل حاضرة مرجعاً أخلاقياً وفنياً. بل ربما يزداد حضوره الآن، لأن السياق الذي كُتب فيه، عن القمع والفساد والآمال بالحرية، لم يتغير كثيراً، وكأن كتبه كانت رسائل زمنية موجهة لنا اليوم.