قناع الفيروس... رمز الأزمة

24 نوفمبر 2020
الصورة
من هونغ كونغ (Getty)
+ الخط -

تُدخلُ يدك إلى جيبك متحسّسًا قطعة القماش على أعتاب باب البيت من داخله. سابقًا، كنت تتلمّس جيبك من الخارج فقط لثلاثة أشياء: محفظتك ومفاتيحك وهاتفك. الآن، انغرست غريزة التأكد من قناع الفيروس، تمامًا كما تنغرس عادة قيادة السيّارة في الذهن البشريّ. تأصّلت لدرجةٍ أنّك لم تعد تتذكّر بأنك تذكّرته، وتأكّدت من وجوده في الجيب. لم يتشكّل هذا المنعكس العصبي عن قناعة بجدوى القناع في ردّ شر الفيروس أو إحساسًا بالتضامن الاجتماعي، بل إن سبب هذا الفعل غير المفكر به هو أنّك لن تلج مكانًا بدونه.

على أبواب المتاجر، مُقنَّع يتأكّد من أقنعة الجميع، مانعًا أي تسرّب للسفور. في القطارات، الكلّ مقنعون، وعلى الرغم وجود إمكانية خلعه في القطار، إلا أنّ السفور النافر بين مجموعة من المقنعين، سيبدو جلبًا مقصوداً للانتباه، وسيجعل جسدك مرمى جميع النظرات التي من الصعب تقييم درجة الاحتقار أو الإعجاب فيها.

خلعُ القناع بين مجموعة من المقنعين، يجلبُ انتباهًا لا يقلّ عمّا يجلبه وضع قناعٍ بين مجموعة من السافرين.

فقدت أفعال الأمر بارتداء القِناع طابعها الطارئ

في نوادي الموسيقى الإلكترونيَّة (Techno)، أوّل ضحايا الفيروس، والتي قُلِّص زمن فتحها المسموح من درجة الأيام إلى الساعات، قبل أن تغلق نهائيًا، كنتَ ترى الأجساد متراصّة أمام مصدر الموسيقى في بركة عرقٍ بشريّ مشتركة، يرفدُ فيها كلّ راقص من إفرازه الخاص... إلا أنّ الجميع مُقنَّعون. وإشراقة السفور في هذا المشهد المقنّع الطريف تكشف أي محاولة غشّ بعدم ارتدائه. لا يلعبُ القناع في هذا المشهد دورهُ المادي المحسوس، أي كحاجز طبّي لصدّ الفيروس، بل هو تذكير دائم وإشارة مستمرة إلى شيء ما خارجيّ، إلى أزمة. القناع هنا لا معنى له واقعيًا، بل هو فقط رمزٌ في رؤوس المقنّعين.

في أمكنة الاختلاط البشريّ المشتركة، كالصيدليات والمتاجر الكبرى، ترى الملصقات الإرشادية التي تحدد مكان الوقوف على خطّ الدفع قد تآكلت وتشققت واغبرَّت. تلاشت حواف العدد 1.5 الذي خُلِع من جدول الأرقام، وصار يدلّ على حقبة كاملة.

فقدت أفعال الأمر على الملصقات الداعية لارتداء القناع، وإعلانات التباعد الاجتماعي التحذيريّة، واللوحات الإعلانية التي تضمّ أسرًا سعيدة مُقنّعة، وألواح الزجاج التي تفصل الشاري عن البائع، طابَعَها الطارئ، وصارت بتأثير الزمن وكأنّها أشياء تنتمي بشكل أصيل إلى طبيعة المكان نفسه. ولشدّة ترسُّخ عادة ارتداء القناع، فإنّ نَزْع هذه العادة، والتذكير بعدم ضرورة القناع، إذا افترضنا زوال الفيروس مستقبلاً، سيحتاج إلى فعل أمر آخر!

على الأرض، كان المشهد سابقًا، أكياس نايلون وأعقاب سجائر ومحارِم للأنف وزجاجات وعلب مشروبات وشظايا مواد من الصعب تحديد أصلها، الآن، أضيف عنصر جديد في أي نموذج عينة اعتباطية من أراضي المدن، وهو: القناع. القناع المرميّ على الأرض يكون إمّا معطوبًا غير قابل للتثبيت، أو سليماً تماماً وأحياناً جميلاً، ولكن وسّخته دعسات الأقدام.

وإذا كانت الزجاجات قابلة للتدوير، بل عمليّة إعادتها مصدر رزقٍ للكثيرين، فإنّ القناع على الأرض، القناع وحيدًا، بعيدًا عن منبع شرائه حيث تتسلّمه بالملقَط، ليس له أي قيمة، بل هو حتّى شيء غير قابل لإعادة لاستخدام. لا يصبحُ المال فائضًا في الشوارع في الأزمات الاقتصادية، وتبقى جملة "بلاد تغرقُ بالدماء" استعارة تشير لقساوة الحرب، إلا أنّ القناع، الرمز الأوّلي لهذه الأزمة، صار من الأشياء الأولية على أي أرض.

والدليل الوحيد على انتهاء هذه الأزمة سيكون غياب مشهد القناع المرميّ على الأرض.


* كاتب سوري مقيم في برلين

المساهمون