قصر الدار البيضاء.. المكان أثراً سياسياً في تاريخ الدولة
استمع إلى الملخص
- يبرز الكتاب الأهمية الرمزية للقصر، حيث احتضن توقيع الكتاب السلطاني لمنع الرق عام 1777، ويجمع بين الطابع الدفاعي والمعمار الإسلامي، بمساهمة المهندس أحمد لعلج الإنكليزي.
- يتناول الكتاب التحولات العمرانية والسياسية للقصر منذ القرن الثامن عشر، وصولاً إلى ترميمه عام 2008 وتدشين المتحف العسكري عام 2015، مما يعكس ديناميات السلطة والتحديث في المغرب.
يقدم مخطوط "وصف قصر الدار البيضاء" (منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير) مادةً تاريخيةً غنية تكشف الدور الذي يلعبه المعمار داخل بنية الدولة، وتظهر كيف يتحوّل الفضاء إلى حاملٍ للوظيفة والقرار والرمزية. من خلال ضبط هذا النص ودراسته، أعاد الباحث في التاريخ المغربي المصطفى بنفايدة إدراج القصر بمكناس ضمن سياقه التاريخي والمؤسساتي، مؤكّداً أنه معلمة تحمل أدواراً متعددة داخل النسق المخزني، وتحولت وظائفه مع تحوّل الدولة نفسها على امتداد القرون.
النص الذي خطّه المؤرخ المكناسي عبد الرحمان بن زيدان سنة 1922 كُتب في مرحلةٍ أصبح فيها القصر مدرسة عسكرية للضباط المغاربة منذ سنة 1918. هذا السياق يمنح المخطوط قيمة خاصة، إذ يصدر عن مؤلفٍ عاين المكان أثناء تحوّلاته، واشتغل داخله أستاذاً للغة العربية والعلوم الدينية، ومديراً مساعدا للمؤسسة العسكرية. استند بن زيدان في وصفه إلى المعاينة المباشرة، والرواية المتوارثة، والوثائق المخزنية التي أتاح له موقعه داخل الأسرة العلوية الاطلاع عليها.
في تعريفه لعبد الرحمان بن زيدان، أوضح مؤلف الكتاب أنه حفيد السلطان المولى إسماعيل العلوي، حمل لقب المولى الكبير، وأمه من نسل السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام، تربطه بالسلطة صلات وثيقة تفسّر موقعه داخل القصر وإتاحته الوصول إلى وثائق ونصوص مخزنية حصرية، ما أمده بكم هائل من المعطيات التاريخية الدقيقة، وسمح له بتقديم وصف معماري ووظيفي غني ومفصّل لـ"الدار البيضاء".
احتضن القصر سنة 1777 توقيع الكتاب السلطاني المتعلق بمنع الرق والعبودية
ينصبّ وصف القصر على تنظيمه الداخلي ومرافقه الوظيفية: الدار، الدويرية، الروض، المسجد، المدرسة، قبة الرواح، أگدال/ أجدال، الجنان (ابن حليمة، أسوفيط الكبير والصغير، باب القزدير)، الهرايا/المخازن دار الماء. يقدم مخطوط بن زيدان، الذي خلف أزيد من ثلاثين مؤلفا في التاريخ والدين والأدب، تفاصيل دقيقة لتوزيع الفضاء واستعماله، ويكشف عن منطق عمراني يخدم ممارسة السلطة ويهيّئ المكان لأداء وظائفه السياسية والدينية والعسكرية والاجتماعية.
تُظهر الدراسة المصاحبة للمخطوط، التي أعدها بنفايدة، كيف أنّ الطابع الدفاعي الخارجي للقصر يندرج ضمن سياسة السلطان محمد بن عبد الله في تشييد القلاع والتحصينات، في سياق تاريخي اهتم فيه بتقوية أسوار المدن وبناء الأبراج. ويرجع الشكل الخارجي للمهندس الذي أشرف على البناء، وهو الأوروبي من أصل اسكتلندي، الذي عرف بعد إسلامه، باسم أحمد لعلج الإنكليزي. وفي الوقت نفسه حافظ القصر داخلياً على خصائص المعمار الإسلامي، من زخارف ونقوش على الجبس والخشب والرخام، بما في ذلك بعض الأعمدة والتيجان الرخامية المستعارة من قصر البديع بمراكش الذي بناه السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي.
يسجّل كتاب المصطفى بنفايدة احتضان القصر سنة 1777 توقيع الكتاب السلطاني المتعلق بمنع الرق والعبودية، وهو حدث يبرز المكانة الرمزية والمؤسساتية للقصر كفضاء لصياغة القرار السيادي وممارسة السلطة ضمن النسق المخزني للدولة العلوية، كما أشار إلى ذلك مصطفى الكتيري، المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير في مقدمة الكتاب، موضحاً أهمية القصر في ارتباطه بهذا الحدث. ويلفت الباحث المصطفى بنفايدة، في حديث مع "العربي الجديد"، أن هذا الحدث كثيرًا ما يُخلط مع واقعة الاعتراف المبكر باستقلال الولايات المتحدة الأميركية، مشيرًا إلى أن الوثيقة كتبت في العاشر من شتنبر (سبتمبر) 1777، وأن تداولها الواسع بدأ في القرن العشرين، بينما كان المغرب أول دولة تعترف فعلياً بالولايات المتحدة، وقد حررت الوثيقة المتصلة بالموضوع في مراكش.
المصطفى بنفايدة في قراءته النقدية للمخطوط، أبرز ما أغفله بن زيدان: وصف المستودع/الدهليز، والهرايا/المخازن ودار الماء، والتحولات التي طرأت على القصر بعد تحويله إلى مدرسة عسكرية، وصولاً إلى الأكاديمية الملكية، وربط المكان بالاختيارات الاستراتيجية لسلطة الحماية الفرنسية، والتحديث العسكري، وقبل ذلك التحولات العمرانية والسياسية والاجتماعية للقصر منذ القرن الثامن عشر، وصولا إلى الترميم الذي عرفه سنة 2008 وتدشين المتحف العسكري للأكاديمية الملكية العسكرية عام 2015، في المستودع/الدهليز الواقع أسفل الدار الصغرى وجزء من الدار الكبرى في قصر الدار البيضاء.
وينهي بن زيدان وصفه للقصر بحديثه عن "قبة الرواح"، وهي جزء لا يتجزأ من قصر الدار البيضاء، وكانت مخصصة لجلوس السلطان محمد بن عبد الله للأحكام وسماع المظالم. "وتعد اليوم بمثابة متحف حقيقي، يتجلى فيه الفن المغربي في أجمل صوره من نقش على الخشب والجبس والرخام والفسيفساء إلى الألوان الطبيعية التي تغطي خشب سقفها، ورغم مرور الزمن ما زالت هذه القبة تحتفظ بكل جماليتها ورونقها"، يقول المؤلف الدارس للمخطوط.
السياق الاستعماري الفرنسي للمغرب، لم يغفله الباحث بنفايدة، مبيّنًا سبب اختيار مكناس لإقامة المدرسة العسكرية، والموقع الاستراتيجي للقصر ضمن شبكة مراقبة الأراضي المغربية، وعلاقته بتحديث الجيش المغربي، ما يعكس تلاقي القراءات التاريخية مع التحليل المكاني والوظيفي، ويؤكّد أن المخطوط يتعدى كونه مجرد وصف معماري، إلى أداة لفهم ديناميات السلطة والتحديث داخل الدولة.
وصف القصر ينصب على مرحلتين زمنيتين: زمن السلطان محمد بن عبد الله، الذي عرف حسب المخطوط بنزاهته وعدله، وضمن ذلك يندرج اختياره بناء "قصر الدار البيضاء"، بعد أن تخلى عن قصر سابق أقام فيه لورثته من أهله، الذين طلبوا نصيبهم منه. ثم المرحلة التي تلت زمنه، الذي حكم فيه لـ 17 عاما، وهو ما يسمح بقراءة التحولات التاريخية للفضاء، من إقامة القصر كمعلمة سلطانية، إلى مخزن عسكري ثم مدرسة عسكرية، ثم الأكاديمية الملكية، مع الترصيف العمراني والزخرفي لكل مرحلة، بما في ذلك الرخام والأعمدة والزخارف الإسلامية الداخلية، الحدائق والبساتين والأگدال، والمسجد، والدار، الدويرية، الروض، المدرسة، الجنّان، الهرايا/المخازن، دار الماء، وكل المرافق المساندة لإدارة الحياة اليومية والقوة العسكرية. إنه كتاب يكشف عن البنية المعقدة للقصر، بوصفه أثراً حياً قادراً على سرد التاريخ وإظهار ديناميات السلطة والدولة.