في وداع سامي محمد... نحاتٌ غيّبته السّاحات

12 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 20:03 (توقيت القدس)
سامي محمد (حساب النحات الكويتي على فيسبوك)

كانت منحوتات الفنان الكويتي سامي محمد، الذي غيبه الموت أمس الاثنين عن عمر ناهز اثنين وثمانين عاماً، مُعبّرة عن وجع الفرد وهُموم الجماعة والتحرّر من الاستعمار والقيود التي تكبّل الإنسانية جمعاء، في محاولة دؤوبة لتجسيد ذلك الغضب الذي ظل محتجزاً في قاعات العرض، وليس في ساحات المدن حيث كان يحلم أن يكون. سامي محمد المولود في حي الصوابر بمدينة الكويت عام 1943، نشأ في بيئة بسيطة حيث كان والده خياطاً متخصصاً في صناعة البشوت وتطريز الزري عليها، وهي حرفة دقيقة ربما أورثته الصبر على التفاصيل الصغيرة، بينما كان هو يجمع الطين والصخور البحرية منذ سن العاشرة ليشكل منها تماثيل صغيرة للطيور والحيوانات، قبل أن يدرك أن مصيره مرتبط بتحويل هذه المادة الأولية إلى لغة بصرية.

التحق محمد بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة عام 1966، وتتلمذ على يد النحات المصري المعروف جمال السجيني. واطلع على مدارس النحت الحديثة والمنحوتات المصرية القديمة، ليكون ذلك الحجر الأساس في مشروعه الذي امتد لعقود.


النحت أسير الصالات

في حوارات معه عبّر سامي محمد عن ألمه من أن أعماله ظلت سجينة أحجام بمقاييس مصغرة في ردهة متحف أو صالة عرض، ولم تحظ بفرصة التحول إلى أعمال ميدانية في الساحات العامة. فرغم أن منحوتاته التي تخاطب قضايا إنسانية كالحرية والعدالة، مثل "صبرا وشاتيلا" و"المكبلين" و"الصناديق" تمتلك من الطاقة البصرية ما يؤهلها لتحتل مكانها في وجدان المدينة، إلا أنها ظلت محاصرة بين جدران المتاحف وصالات العرض. وهو حديث يثير تساؤلات ونقاشات معادة ومكررة عن حضور النحت الميداني في الفضاء العام في مدننا العربية، إذ يبدو الأمر وكأن المجتمعات العربية لم تنضج بعدُ لاستيعاب دور النحت في تشكيل البصمة البصرية للمدن.

هذه المعضلة ليست جديدة؛ فهي تُعيد طرح سؤال عن علاقة السلطة والمجتمع بالنحت، ذلك الفن الذي يفرض حضوره المادي في الفضاء، ولا يمكن تهميشه أو وضعه في أدراج المتاحف. في حالة سامي محمد، الذي كان أول فنان كويتي تُباع أعماله في مزادات "كريستيز" وتُقتنى في بعض المتاحف العربية، (متحف الشارقة ومتحف الكويت ومؤسسة برجيل) يبدو التناقض أوضح، فثمة اعتراف واسع بفنه، مقابل تردد محلي في منحه مكانته المستحقة.


الصوت الخفي

إذا كان النحت في الفضاء العام حلماً لم يتحقق، فإن التعبير عن الجسد الإنساني في أعماله هو الحقيقة النابضة. يذهب الناقد والأكاديمي المصري رضا شحاتة في قراءته لتجربة الفنان إلى أن الجسد عند سامي محمد تحول إلى "لغة بصرية ونظام من العلامات ومكان للتحول الدلالي"، حيث تختبئ ذاكرة المكان، من أزقة الصوابر إلى رائحة البحر وصولاً إلى وطأة القهر. بدا هذا جلياً في مشروعه الفني منذ نهاية السبعينيات، في مجموعات مثل "المنحنيات" و"المكبلين" و"الصناديق"، حيث صار الجسد ممزقاً ومكبلاً ومتوتراً، لكنه ليس منهزماً. الجسد في أعمال سامي محمد يبدو في حالة تمرد دائم ومحاولة خروج واختراق الحواجز.

منحوتة "لحظة الخروج" لسامي محمد (المتحف العربي للفن الحديث في الدوحة)
منحوتة "لحظة الخروج" لسامي محمد (المتحف العربي للفن الحديث في الدوحة)

ربما كانت هذه الرؤية انعكاساً لوعي تاريخي عميق بالتحديات والصراعات الإقليمية المحيطة، فقد نشأ الفنان في ظل نكبة 1948 وحرب التحرير في الجزائر، وشهد العدوان الثلاثي على مصر، وعايش احتلال الكويت عام 1990، ما جعله يصوغ جسده النحتي شاهداً على العصر. في منحوتة "الجوع" (1970) ومنحوتة "صبرا وشاتيلا" التي ظل يعيد نحتها ويحطمها مراراً بحثاً عن تعبير أمثل، لم يكتفِ الفنان بالرصد، إذ كان أشبه بالشاعر الذي يعبّر عن انهيار القيم الإنسانية، ليذكرنا بموت الإنسان فينا، أو بتمرده لإحياء نفسه من جديد.

لا يمكن هنا التغاضي عن اللغة الشعرية التي تميز أعمال سامي محمد، تلك اللغة التي يمكن رصدها عبر انكسارات الضوء على سطوح البرونز، وعبر التوتر الكامن في انحناءات الجسد المكبّل.
يشير الناقد رضا شحاتة إلى ما يطلق عليه "الصوت الخفي" في منحوتات سامي محمد، حيث تبدو الكتلة وكأنها مصنوعة من "الأصداء التي لا تنضب" على حد تعبيره؛ أصوات تكسير الأغلال، وأنين الإنسان المعذب المكتوم، وصرخات الأفواه المكمَّمة. وهذا البعد الغامض، الذي تولّده تناقضات السطوح بين الناعم والخشن، وصراعات الضوء والظل على امتداد الجسد البرونزي أو الحجري، يجعل من التمثال وسيطاً بين المادة والروح، وبين المرئي واللامرئي. وقد أجاد في توظيف تقنياته المختلفة، محوِلاً إيقاع الضوء إلى رسائل معبِّرة تنير أعماق العمل.