في استقبال قاموس عربي كردي

13 يناير 2021
الصورة
حسن فتّاح، مواد مختلفة على قماش
+ الخط -

تحضر اللغة العربية لدى الكُرد، كُتّاباً ومترجمين وقرّاءً، حضوراً يفوق حضور العربية لدى كثيرٍ ممّن تُعتَبر لغتَهم الأم. غير أنّ هذا هو الجانب المُشرق للحكاية، فمسألة اللغة العربية، لدى الكُرد، تختلط مع المنع والإلغاء والملاحقة.

تختلف طرق الكتابة بالكُرديّة بين جغرافيا وأخرى، إذ إنّها تُكتب بأبجديات مختلفة، الأمر الذي أعاقَ تطوّرها، وذلك لصعوبة التواصل في مسائل اللغة، بين المتحدثين بها أصلاً. عدا أنّ الكُرد عاشوا في بلدانٍ بحالٍ مُتقَارب، في مناخ القمع. حيث كانوا مضطرين إلى التكتّم على لغتهم، والقصد من ذلك هو التكتّم على هويتهم المقموعة؛ بدءاً من القوقاز إلى سورية والعراق وإيران وتركيا. في كلّ بلدٍ كان الكُرد يُخفون لغتهم، لأسباب سياسيّة أو عقائديّة، أو من جرّاء حروبٍ وخلَل في موازين التحالفات والقوى. 

وكانت اللغة الكُرديّة والمثقفون الكُرد ضحايا للانقلابات في المزاج العام إزاءَهم. في المحصلة وجدَ الكُرديّ نفسهُ يستخدم اللغة الرسميّة الدارجة في البلد الذي يعيشُ فيه، الأمر الذي أضعف لغتهُ الأم، لتصبحَ أقرب إلى أن تكون لغة شتاتٍ ومنفى. اقتصر التعبير بها على الأحاديث الخافتة. إنّها بذلك لغة حميمة بالنسبة لمواطنيها، لغةُ أسرار؛ إنّها لغةُ خنادق وملاجئ، لا لغة متاريس ومواجهة.

عاش الكُرد في بلدانهم وهم يمتلكون لغتين ويتحدثون بهما، الأمر الذي جعلهم يراوحون، عند استخدامهم الكُرديّة، بين الإشهار وبين الندم، إذ يستخدمون لغةً رسميّة للخارج المُتحفّظ المختلِف؛ يستخدمون لغةً هي لغته. ويستخدمون لغتهم للتعبير فيما بينهم، كي يحموا ثقافتهم، أي هويتهم، من الاندثار والنسيان. تفسّر هذه الازدواجية التي دُفعوا إليها، وإلى حدٍّ بعيد، تفوّق كثير من مثقفيهم بالعربية؛ إنّهم، بمعنىً ما، أرادوا أن يقارعوا الآخر المُتحفِّظ في لغته، وأن يبرُزوا في مساحته الخاصة. 

"القاموس العصري" لفتةٌ لسدّ الهوّة بين العربية والكردية

وتفسّر كذلك، إلى حدٍّ بعيد، ضعفهم في لغتهم الكُردّية؛ إنّها لغةٌ يتحدّثون بها من غير أن يكتبوها. يتعاملون بها في يومياتهم، لا في الآداب وصيَغ التعبير المكتوبة. إذ إنّ إرثهم إرثٌ محارَبٌ من الآخرين، ولطالما كان إرثاً ملاحَقاً، وقد مُنعوا من المطبوعات في أوطانهم، وبقيت الكُردية لغةَ وداعاتٍ للأبناء، لغة أفراحٍ وأحزان، لغة أعراسٍ ومآتم، لا لغةً رسميّة يخاطب فيها الكُرديُّ الآخرَ الذي يجهل ثقافة الكردَ ولغتهم، بسبب سياسات أنظمة الحُكم المختلفة. 

إنّ ذلك الارتباك المعقّد في مسألة اللغة، التي تعني المعرفة والانتماء، قد أرخى بثقَله على علاقة اللغة الكُرديّة مع باقي اللغات. وعند الحديث عن العربية، يلحظُ المهتمون النقص في المعاجم العربيّة-الكرديّة. النقص الذي باتَ يُستدرَك بصورةٍ مستمرّة وحثيثة في العقود الأخيرة. 

وحديثاً صدر "القاموس العصري" الذي كان أعدّه الكاتب واللغويّ عزيز عقراوي (1924-1998)، وهو عسكري وسياسي كُردي ولد في مدينة عقرة في إقليم كُردستان العراق، وقد طبع المعجم شقيق المؤلف. وهو معجم عربي-كُردي يعتمد في تبويبهِ على الأبجدية العربية، ويتّصف بغنىً كبير في المترادفات الكُرديّة. كما أنّ للمؤلف معجماً قديماً هو الدليل اللغوي الثلاثي (عربي-كردي-إنكليزي)، وقد اعتمد فيه التبويب بحسب الحقول المعجميّة: الطيور والنبات والصفات...

القاموس العصري

أمّا أشهر وأضخم المعاجم بين اللغتين، فهو "القاموس الكردي الحديث" (1985)، وقد أعدّه علي سيدو گوراني (1908-1992). والگوراني من مواليد عمّان، تعود أصولهُ إلى كُرد تركيا، ولم يكن يعرف الكُرديّة قبل عام 1931، وقد أنجز المعجم (كردي-عربي) متجوّلاً بين القرى والبلدات يجمع المفردات ويدقّق أصولها، بعد أن حثّه أحد أساتذته على التفكير بكُرديّتهِ والاهتمام بهويّته. وقبلاً منه أعد الفلسطيني يوسف ضياء الدين الخالدي (1842 - 1906) أول المعاجم الكردية العربية الصادر عام 1892.  

ترتبط اللغة ارتباطاً جوهريّاً بصناعة الهويّة. وفي شرقٍ، يَجهلُ حاملو الهويات المختلفة فيهِ لغاتِ وثقافات بعضهم، حريٌّ أن يندرج تفكيك الصراعات ضمن أوّليّات الثقافة. فالجهل بالآخر يصنع الخوفَ منه، فيما تمنع اللغة انتشارَ الخوف، وتبدّد المعرفة حضور مفرداتِ الاقتتال بين الناس. 


* كاتب من سورية

وقفات
التحديثات الحية

المساهمون