- يناقش الكتاب أعمالاً أدبية لروائيين مثل مارسيل بروست وتوماس مان وفرجينيا وولف، ويحلل كيف يمكن للأدب أن يختبر إمكانيات جديدة ويفتح آفاقاً لفهم العالم بطرق مختلفة.
- يرفض صابو التقسيم التعسفي بين الأدب والفلسفة، مؤكداً أن الأدب يمكن أن يكون مجالاً لاختبار الأفكار وإعادة النظر في علاقتنا بالعالم وبأنفسنا.
ما العلاقة التي تقيمها الفلسفة مع الأدب؟ ليس هذا السؤال جديداً، لكنه يبدو، ولا سيما في فرنسا، وقد فرض نفسه موضوعاً رئيسياً في العديد من السجالات الفكرية. فما الذي يمكن للفلسفة أن تنتظره من مقاربة النصوص الأدبية؟ هذان السؤالان يحاول كتاب "الفلسفة والأدب.. مقاربات مسألة ورهانها" (ترجمة: أبو بكر العيادي، دار صفحة سبعة، الرياض، 2025) للباحث الفرنسي فيليب صابو الإجابة عنهما، من خلال دراسة نقدية ومقارنة بين عدد من المواقف الفلسفية.
وإذا كنا نتردّد اليوم في منح الأدب التخييلي مكانة معرفية مماثلة لتلك التي تمنحها العلوم، فربما يعود ذلك إلى الاعتقاد باستحالة الربط بين مجالين يُنظر إليهما بوصفهما منفصلين أنطولوجياً: عالم الواقع، الذي ينتمي إلى نظام الحقيقة، وعالم الخيال، الذي ينتمي إلى نظام المتخيل. غير أن صابو يتجاوز هذا الفصل، إذ يحاول إقامة صلة بين هذين العالمين اللذين يُفترض انفصالهما، من خلال النظر إلى الأدب التخييلي بوصفه نوعاً من تجربة الفكر.
يسائل صابو ذلك الفصل "الجوهراني" بين الفلسفة والأدب، والذي يجعل الأولى تنتمي إلى مجال الحقيقة، والثاني إلى مجال الخيال. وينطلق من فكرة أساسية مفادها أن الأدب، شأنه شأن الفلسفة، يشارك في إنتاج المعرفة، من خلال ممارسة الكتابة بوصفها في الوقت نفسه ممارسة للتفكير. ومن هنا، لا تعود الرواية أو القصيدة مجرد فضاء للمتخيل في مقابل الواقع، بل يمكن أن تصبح مجالاً لاختبار الأفكار، واستكشاف إمكانيات التجربة الإنسانية، وإعادة النظر في علاقتنا بالعالم وبأنفسنا.
ويُجيب صابو عن أسئلته عبر مناقشةٍ لما هو فلسفي في الإنتاج الأدبي لروائيين مثل مارسيل بروست وعمله الأبرز "البحث عن الزمن المفقود"، وتوماس مان وروايته "الجبل السحري"، و"السيدة دالاواي" لفرجينيا وولف، وغيرهم. وعبر هذا المنهج المُؤسَّس على تحليل الخطاب الأدبي للفلاسفة والفلسفي للأدباء، يعلن المؤلف رفضه التقسيمَ "التعسفي" بين ما هو أدبي يهدف إلى الإمتاع، وبين ما يُنظر إليه على أنه ينتمي إلى المجال الفلسفي المَعْنِي أساساً بالأسئلة الوجودية وبالحقائق الأخلاقية.
يتناول فلسفياً نماذج أدبية مثل كتابات بروست ومان وولف
ويكتسب مفهوم "تجربة الفكر" هنا أهمية خاصة، لأنه يتيح تجاوز الثنائية التقليدية بين الحقيقة والخيال، وبين المعرفة العلمية والمعرفة الأدبية. فالأدب يستطيع، عبر بناء عوالم وشخصيات ومواقف افتراضية، أن يختبر إمكانات لا يمكن اختبارها بالضرورة في الواقع المباشر، وأن يكشف، من خلال ذلك، عن جوانب من تجربتنا الإنسانية وعن طرائق مختلفة لفهم العالم.
فيليب صابو فيلسوف وأستاذ فلسفة فرنسي، من خريجي المدرسة العليا للأساتذة، نال الدكتوراه في الفلسفة من جامعة ليل الثالثة عام 1999 عن أطروحته "ممارسات الكتابة، ممارسات التفكير: المكانة الفلسفية للتجربة الأدبية من السريالية إلى اليوم". يشغل منصب أستاذ الفلسفة في جامعة ليل الثالثة، حيث تتركّز اهتماماته البحثية على الفلسفة المعاصرة والعلوم الإنسانية، ولا سيما قضايا الأخلاق والمجتمع، إضافة إلى العلاقة بين الفلسفة والأدب ودور التجربة الأدبية في إنتاج التفكير والمعرفة.