فنانون أم علماء؟.. تلاشي الحدود بين مجالات الإنتاج الإنساني
- ماري بانينغ عملت في عزلة على توثيق الفطريات بالرسم والتصنيف، مما ساهم في إدراج اكتشافاتها في التقارير العلمية، رغم استبعادها من الحقل العلمي بسبب جنسها وغياب الشهادات الأكاديمية.
- في الفن المعاصر، يستلهم الفنانون العلم كموضوع ومنهج، مثل توماس ساراسينو وهيذر ديوي هاغبورغ، بينما توظف الفنانة لاريسا صنصور لغة العلوم لبناء سرديات بديلة.
حين شرع رسامو الحملة الفرنسية في تسجيل تفاصيل الحياة في مصر أواخر القرن الثامن عشر، لم يدركوا أن ما يرسمونه سيتحول لاحقاً إلى واحد من أضخم مشاريع التوثيق في التاريخ الحديث. في صفحات "وصف مصر"، تظهر البلاد مثل فضاء يُفكَّك بعين مدربة، قياسات دقيقة لأحجار معابد، ورسومات لتماثيل ومومياوات ونباتات برية ومشاهد طبيعية، وأدوات عمل يومية، وملامح بشرية مرسومة بالأحبار. كانت المعلومات تُجمَع هنا بشكل مباشر، عبر العين واليد، قبل أن تُدرس تفصيلياً في ما بعد بلغة الموسوعات والعلم المنهجي. وبينما احتفظ المشروع باسمه الكبير، تلاشت أسماء كثيرة من الذين صنعوا مادته الخام، أولئك الذين اشتغلوا في منطقة رمادية بين الفن والعلم، وأسهموا في بناء معرفة لا تزال فاعلة حتى اليوم، من دون أن تُنسب إليهم بالكامل.
تكشف تجربة "وصف مصر" عن نمط سيتكرر لاحقاً في تاريخ المعرفة الحديثة عبر إنتاج ميداني كثيف في نمط يبتلع الأفراد لمصلحة المؤسسة أو الفكرة الأكبر. فالرسامون الذين جابوا القرى والمعابد والحقول لم يكونوا فنانين بالمعنى الجمالي الخالص، ولا علماء وفق التعريف الأكاديمي اللاحق، بل منتجي معرفة بالمعنى الحرفي للكلمة، ومع ذلك، ظل دورهم محصوراً في خانة التوثيق.
تلاشت أسماء كثيرة اشتغلت في منطقة رمادية بين الفن والعلم
بعد أكثر من نصف قرن، وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، كانت الفنانة الأميركية ماري بانينغ تعمل في عزلة شبه كاملة، تمارس شكلاً مختلفاً من إنتاج المعرفة، لكن بالأدوات نفسها تقريباً. يُعيد معرض "المهمشون.. ماري باننج وعالم الفطريات" المقام حالياً في متحف ولاية نيويورك، والمستمر حتى الخامس من إبريل/ نيسان المقبل، تقديم ماري بانينغ لا بوصفها فنانة هاوية، بل مشتغلة ميدانية في علم الفطريات. ولدت بانينغ عام 1822 في ولاية ماريلاند، وعاشت معظم حياتها بعيداً عن المؤسسات العلمية، ترعى أسرتها، وتجمع الفطريات، وترسمها، وتصفها بدقة لافتة. ويشير عنوان المعرض نفسه، إلى ذلك الموقع الهامشي الذي احتلته بانينغ، تماماً كما احتله رسامو "وصف مصر" من قبل.
تكشف رسوماتها المعروضة عن علاقة عضوية بين الرسم والمعرفة، أشكال مرسومة بألوان مائية دقيقة، وملاحظات مكتوبة بخط اليد، ومحاولات تصنيف لأنواع لم تكن معروفة آنذاك. لم تُنتج بانينغ هذه الرسومات للعرض أو البيع في سوق الفن، بل استعانت بها كأداة للفهم والمقارنة والتثبيت. ورغم أن بانينغ كانت مستبعدة من الحقل العلمي بسبب كونها امرأة، وغياب الشهادات الأكاديمية، فإن مراسلاتها الطويلة مع عالم الفطريات الأميركي تشارلز بيك، أسهمت في إدراج بعض اكتشافاتها في التقارير العلمية الرسمية في سبعينيات القرن التاسع عشر. الأكثر دلالةً أن عينات الفطريات التي جمعتها بانينغ لا تزال محفوظة حتى اليوم، ويعتمد عليها باحثون معاصرون في دراساتهم. لم يُعترف بصاحبة العمل في حياتها، لكن العمل نفسه صمد، وتحول إلى أساس يُبنى عليه.
هناك فنانون اليوم يستلهمون العلم موضوعاً ويعتمدونه منهجاً
ما يجمع بين رسامي "وصف مصر" وماري بانينغ ليس الهامشية فقط، بل موقع الصورة داخل عملية إنتاج المعرفة. فالرسم هنا ليس تابعاً للنص، بل سابق عليه أحياناً، ومؤسس له. قبل النظرية، هناك الملاحظة؛ وقبل التصنيف، هناك العين المدربة واليد الماهرة والموهبة. هذه العلاقة العضوية بين الفن والعلم، التي نميل اليوم إلى فصلها، كانت في لحظات تاريخية عديدة شرطاً للاكتشاف ذاته.
توظيف العلم في الفنون المعاصرة
هذا التقليد الذي بدأ ضرورة عملية في عصر ما قبل التصوير والتخصص العلمي الدقيق، عاد في الفن المعاصر بشكل واعٍ ونقدي، مستفيداً من أدوات عصر جديد. هناك عدد متزايد من الفنانين اليوم لا يكتفون باستلهام العلم بوصفه موضوعاً بل يعتمدونه منهجاً، فالبحث الميداني، والتعاون مع العلماء، واستخدام البيانات، أو التعامل المباشر مع المواد الحية هي من الأمور الشائعة اليوم في الممارسات الفنية المعاصرة. في هذه الممارسات، يتحول العمل الفني إلى مساحة اختبار، لا تختلف كثيراً عن المختبر، وإن احتفظ بلغته البصرية.
عالمياً، يبرز الفنان الأرجنتيني توماس ساراسينو، الذي يتعاون مع علماء أحياء وفيزياء لدراسة الشبكات العنكبوتية والأنظمة البيئية، محولاً نتائج هذا البحث إلى منشآت فنية تقترح نماذج بديلة للتعايش مع الكوكب. في سياق آخر، تستخدم الفنانة الأميركية هيذر ديوي هاغبورغ تقنيات تحليل الحمض النووي المستخرج من بقايا بيولوجية مهملة لأشخاص مجهولين لإنتاج بورتريهات مُتخيلة، كاشفةً عن التوتر الأخلاقي بين العلم والهوية والفن.
تبرز تجارب ماري بانينغ وتوماس ساراسينو ولاريسا صنصور
أما الفنان البرازيلي إدواردو كاك، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، حين اشتغل على الهندسة الوراثية بوصفها مادة فنية، جاعلاً من الكائن الحي نفسه موقعاً للسؤال الجمالي والعلمي. وقد اشتهر كاك بأعماله التي تصور كائنات معدلة وراثياً بطرق تحمل في كثير من الأحيان دلالات مفاهيمية.
في العالم العربي، تبدو هذه الممارسات أقل حضوراً في المشهد الإعلامي، لكنها حاضرة بوضوح في أعمال عدد من الفنانين. توظف الفنانة الفلسطينية لاريسا صنصور لغة العلوم الفلكية والجيولوجيا لبناء سرد بديل عن الأرض والانتماء. وفي تجاربها بشكل عام تشتغل صنصور على تقاطع الخيال العلمي مع علوم الفضاء والآثار، مستخدمة لغة علمية لتفكيك السرديات السياسية والتاريخية. وفي لبنان، قدم مروان رشماوي أعمالاً تعتمد على الخرائط والبيانات، حيث تتحول أدوات التخطيط والهندسة إلى وسيلة لقراءة المدينة بوصفها كياناً حياً. وفي مصر، ظهرت تجارب فنية تشتغل على البيئة والنباتات والذاكرة البيولوجية، مستعينةً بالبحث الميداني والأرشيف العلمي، بوصفهما جزءاً من عملية الإنتاج الفني.
لا يُقدَّم العلم في الفن حقيقة نهائية بل أداة لفهم واقع متغير
تتقاطع هذه الممارسات أيضاً مع أعمال عربية تناولت قضايا المياه، والتغير المناخي، والتصحر، حيث لا يُقدَّم العلم بوصفه حقيقة نهائية، بل أداة لفهم واقع هش ومتغير، تعجز اللغة السياسية وحدها عن الإحاطة به. في هذه الأعمال، يعود الفنان إلى موقع الباحث، لا المراقب أو صانع الجمال.
إن إدراج هذه التجارب المعاصرة ضمن سياق أطول يسمح بقراءة تقاطع الفن والعلم بوصفه تقليداً ظل يعمل في الظل، ثم عاد إلى الواجهة حين أصبحت أسئلة المعرفة والبيئة والتكنولوجيا ملحة أكثر من أي وقت مضى. في المقابل، يفرض هذا السياق سؤالاً لا يمكن تجاوزه، إذ كيف نفصل القيمة المعرفية لهذه الأعمال عن السياقات السياسية أو الاستعمارية التي أُنتج بعضها في إطارها؟