غاليري مطافئ: إدراك الواقع في ثلاثة معارض

12 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 14 فبراير 2026 - 20:15 (توقيت القدس)
عمل للفنانة الكورية الجنوبية تشونغ سايونغ (العربي الجديد)
+ الخط -
اظهر الملخص
- الفن المفاهيمي وتحدي الثوابت: يركز الفن المفاهيمي على اختبار شروط الفن وحدوده من خلال مساءلة الثوابت وتقديم اقتراحات جريئة، كما يظهر في معارض غاليري مطافئ بالدوحة.

- شعرية الشيء وتحولات المعنى: تقدم تشونغ سايونغ أعمالاً نحتية تخلق معاني جديدة من الأشياء اليومية، مما يثير تساؤلات حول التحول من أداة استعمالية إلى حامل لآثار العيش اليومي.

- الطاقة والخيال النقدي: يعيد هارون ميرزا صياغة النحت كحدث طاقوي، بينما يستخدم هو تسو نيين منهجية متعددة الطبقات لاستكشاف التحولات السياسية والاجتماعية في "فندق أبوريا".

منذ انتقاله من مركزية الشيء الثابت إلى مركزية الفكرة، اشتغل الفن المفاهيمي على الاختبار المستمر لشروط الفن وحدوده. في لحظاته الأشدّ كثافة، يتحول العمل إلى مساءلة واقتراحات جريئة دائماً تجاه المكرس-المقدس، عبر تفكيك البنية من الهامش إلى الهامش.

ضمن هذا الأفق، افتُتحت في الخامس من الشهر الجاري ثلاثة معارض في غاليري مطافئ بالدوحة؛ "وقائع لا نهاية لها" عنوان معرض الفنانة الكورية الجنوبية تشونغ سايونغ الذي يستمر حتى 20 إبريل/ نيسان 2026، بالإضافة إلى الفنانين البريطاني من أصل باكستاني هارون ميرزا في "كل شيء كان، وما زال، وسيظل دائماً"، والسنغافوري هو تسو نيين في "فندق أبوريا" وكلاهما يستمر حتى 31 مايو/ أيار المقبل.

شعرية الشيء

في أول معرض فردي لها في العالم العربي، تقدم سايونغ ممارسة نحتية تقوم على إزاحة دقيقة تخلق المعاني فقط من الأشياء اليومية، تنتزع منها وظائفها لتدخلها في علاقات جديدة. لدينا طاولات خشبية، حبال، دراجات هوائية، قوالب إسمنتية، بيد أنها ليست كذلك.

الحبل الملفوف بإحكام يتحول إلى كتلة قائمة بذاتها. الإيقاع الناتج عن اللف المتكرر يحيل إلى الزمن والجهد وفعل التراكم. الخشب، بملمسه المتآكل ولونه الطبيعي، يحتفظ بأثر الاستعمال وأثر اليد.

قُطر هذا الحبل خمسة سنتيمترات وطوله 50 متراً، لوّنته الفنانة بألوان طبيعية وخصوصاً الحناء، وهو العمل الوحيد الذي أنجزته في استوديوهات مطافئ، أما الباقي فمنتخب من مسيرتها منذ التسعينيات، كما تخبرنا سعيدة الخليفي رئيسة قسم البرامج والمعارض في مطافئ.

التوزيع المكاني، من المنصة الخشبية المائلة إلى المنحوتة البرونزية في المقدمة يكون شبكة علاقات بصرية متداخلة. إنها الأشياء التي ننتبه إلى وجودها الفني من خلال العلاقة بين الشيء العادي وفضائه العادي.

الدراجة الهوائية السوداء، تعرض لأن لها مصباحاً كهربائياً يسلط ضوءاً خجولاً على الجدار. حضورها يفتح سؤال التحول من أداة استعمالية إلى حامل لآثار العيش اليومي.

من معرض الفنان البريطاني من أصل إيراني هارون ميرزا (العربي الجديد)
من معرض الفنان البريطاني من أصل باكستاني هارون ميرزا (العربي الجديد)

التكوين الدائري للقطع الخشبية الموضوعة على طاولات ذات سطوح مختلفة وطاولات صغيرة يعتمرها زجاج دائري، وطاووس يتأمل أعمدة الإسمنت. هذا يخلق منظومة متماسكة تحتفظ بهوامشها وتلعب على التباينات المادية. لا بل إن السينوغرافيا الحية تجعل من الجمهور وحراس المكان جزءاً من التكوين، حيث تتقاطع الأجساد البشرية مع الأشياء.

الطاقة حدثاً حسياً

يعيد هارون ميرزا صياغة النحت بوصفه حدثاً طاقوياً. هنا لا يتمثل العمل في توزيع العناصر كما في التجهيز وإنما بنية طاقة كهربائية قائمة بذاتها، يدخلها الزائر، ويمر عبرها من دون أن تكون مرتهنة لحركة الفضاء.

الأسلاك المتدلية، والنباتات، وإضاءة النيون البنفسجية تشكل منظومة نابضة، والخط الأبيض المتعرج يسجل مرور الطاقة، بينما يخلق التوتر بين السطح المعتم والخط المضيء درامية حسية.

أخيراً يطرح إدخال النباتات الحية في الدائرة الكهربائية علاقة جديدة بين الطبيعي والصناعي، والاعتماد المشترك على تدفق الطاقة، والأسلاك الملونة، بتشابكها الحر، التي تستدعي صورة الجهاز العصبي.

من خلال هذه الأشكال الهندسية المتقاطعة، يبحث ميرزا في التمييز بين الإدراك البشري والقوانين الطبيعية، مظهراً بوضوح موقفه الذي يفيد بأن الفن أساساً هو "ضوضاء منظمة"، مذكّراً بأن الاختراع ليس ابتكاراً حديثاً، بل تحول إدراكي ضمن خيط مستمر في واقع كان، ولا يزال، وسيظل دائماً.

وجوه ممحوة

في عمله "فندق أبوريا"، يعتمد الفنان هو تسو نيين منهجية متعددة الطبقات تجمع بين البحث الأرشيفي والمواد الوثائقية والتأمل السينمائي، حيث يتتبع تاريخ فندق في بانكوك بوصفه فضاءً يتقاطع فيه الإرث الاستعماري الياباني مع التحولات السياسية والاجتماعية.

هنا شخصيات بوجوه ممحوة. كل محو يحمل مهمة معينة في تمثيل التاريخ، حيث الأفراد يتحولون إلى ظلال تؤدي أدوارها أكثر مما تظهرها الذوات الفردية.

تُزاوج الأعمال المعروضة بين التجهيز والنحت والمادة الفيلمية

التشويشات والعنصورات (حبيبات البكسل) في عين المشاهد لا تحجب الصورة، بل تذكّر بأن ما يُرى وصل عبر طبقات متقادمة تركت آثارها المتعمدة بالأيدي منها والمشغولة بالمصادفات بعوامل الحت، والتعرية، والمرور البشري العابر.

يحيل عنوان العمل إلى الحيرة الفلسفية، فالفندق مجال عبور، وبالتالي تبدو الشخصيات في حالة انتقال دائمة، والأرشيف، خصوصاً مقاطع من أفلام المخرجين اليابانيين ياسوجيرو أوزو (1903-1963) ومخرج الرسوم المتحركة يوكوياما ريونيتشي (1909-2001) يتحول إلى مادة للخيال النقدي، يفتح احتمالات ما أقصي أو أسكت عنه.