استمع إلى الملخص
- في رواية "المتمرّدة"، استخدمت الكاتبة أبيات شعرية بدلاً من التنويه التقليدي، مما أثار جدلاً حول واقعية الشخصيات وربطها البعض بالمنظومة الرأسمالية.
- تناولت الكاتبة مفهوم "المتعاطف المظلم"، وهو نمط شخصية يجمع بين العصابية والنرجسية، ويُعتبر خطيرًا في علم النفس الحديث، مع الإشارة إلى تأثير فلسطين على الرواية.
مثله مثل الصحافي غير المُلزَم بالكشف عن مصادره، يحرص الكاتب عادة على عدم الكشف عن "مصادر إلهامه"، والامتدادات الواقعية للشخصيات التي تؤثّث سردياته للحفاظ على سحر التخييل من جهة، وتفادي أيّ تبعات قانونية ترتدّ عليه من أُخرى. والمعروف أنّ إحدى أشهر الروايات الفرنسية في التاريخ الحديث "مدام بوفاري" (1856) لـ غوستاف فلوبير كانت بطلتها شخصية حقيقية اسمها ديلفين ديلامار غطت حادثة انتحارها كلّ صفحات الحوادث المحلية في فرنسا عام 1848. إلا أن حقوق المُلكية اليوم لا تجعل من مهمّة الكاتب المعاصر في استلهام شخصيات من الواقع (على نحو صريح) أمراً قانونياً.
والحقيقة أنني شعرت قبل سنوات قليلة بضرورة استشارة محامٍ لصياغة جواب "آمن" عن سؤال واجهتني به صحافية إيطالية بخصوص شخصيات "سكرات نجمة" (2015)، وذلك بعد صدور الرواية بالترجمة الإيطالية. غير أنّ الموقف الأكثر إثارة أتى من جارتي الإيطالية التي شكرتني من صميم فؤادها على قصة "الرائحة" (2018)، وأخبرتني أن بطلتها ذكّرتها بامرأة نتعامل معها مهنياً أنا وهي! ولا داعي للقول إن أصعب ما يُمكن للمرء فعله هو السعي لتفنيد أي شعور، ولو بالحجج الموضوعية، لكنّني وجدتُ نفسي مضطرّة للفتِ انتباه الجارة بأن القصة مكتوبة قبل عشر سنوات بالعربية، ونالت جائزةً ضمن مهرجان دولي كبير في الجزائر حينها، لذا فبحساب التواريخ الموثَقة، لا مجال البتّة للاعتقاد أن البطلة مستوحاة من أي شخص نعرفه معاً هنا. وبالطبع كان عليّ أن أستخدم كلّ مهاراتي التواصلية حتى لا أخلع سحر الأدب عن اللحظة، ذلك أن الخير والشرّ واحد في العالم ومهمّة الأدب هي التقاط الذبذبات المشتركة بين البشر. بعدها بأشهر قليلة أخبرتني صديقة في الجزائر أنّ إحدى شخصيات "ثابت الظلمة" (2018) هي حتماً لصحافي بلحمٍ ودم، أخبرتني أنها تعرفه حقّ المعرفة، لأجدني منخرطة مجدّداً في نفي شُبهة تطابق الشخصيات مع الواقع.
يبدون حسّاسين ومتفهّمين ولكنّهم في العمق عُصابيون
والمفارقة هي أنه وفي المرّة الوحيدة ربّما التي لم أفتتح فيها أحد إصداراتي بالتنويه الشهير: "هذا العمل من وحي خيال المؤلّف... وأي تشابه في الشخصيات هو من قبيل الصُّدفة"، واخترتُ بدلاً من ذلك ثلاثة أبيات شعرية مُنتقاة بعناية، كانت هي المرّة التي وقفت فيها أمامي ناقدة أدبية جزائرية لتقول لي إن شخصيات القصة التي كتبتُها "غير معقولة وإنها مُركّبة لدرجة لا تحتملها شخصية واحدة". والحقيقة أن تلك كانت هي المرّة الوحيدة أيضاً التي رغبتُ فيها أن أكشف أنّ شخصيات ذلك العمل تحديداً كلّها حقيقية! ليس هذا فحسب بل كانت شخصيات ذات نمط مريب تكرَّر أمامي لدى خمسة أشخاص على الأقلّ بين عامي 2018 و2019 على نحو جعلني أُوقف عملاً سردياً كنت أشتغل عليه، وكانت دار نشر "Buendia Books" الإيطالية تعتزم نشره، بل صمّمَت غلافه وحضّرت خطّة الترويج له، وهو لا يزال متوفراً على "أمازون" ومنصات إيطالية أُخرى بعنوان "7"، على الرغم من أنني أوقفته بشكل عاجل لأكتب بدلاً منه قصة واحدة ووحيدة هي: "المتمرّدة"!
اتصلتُ آنذاك بناشرتي فرانتشيسكا (التي كان لا بدّ لاسمها العربي أن يكون حليمة)، وأخبرتها أنني أُريد نشر قصة واحدة لا غير، ليس هذا فحسب بل القصة لا تخضع للشروط المعيارية لأدب الجريمة كما هو التوجّه الرئيسي لدار "بوينديا"؛ وتعمّدتُ زيادة على ذلك أن تنتهي القصة بـ anticlimax (تثبيط الذروة) لأن العمل تحرّكه شخصية فريدة تمثّل العُقدة نفسها، وحلّها يكمُن ببساطة في تثبيطها بمجرّد تسليط الضوء على خيوطها المُظلمة والمتشابكة بعنف ببعضها.
أتت فرانتشيسكا إلى منزلي وهي تضرب أخماساً بأسداس. شربت الشاي الأسود الذي حضّرته لها، واستمعت بعناية لوصفي لشخصيات القصة المركزية وتقنية الكولاج التي استخدمتها لأنها الأنسب لرسم ملامح غير مألوفة، فكان لا بُدّ من استحضار جان بول سارتر وألبيرتو مورافيا وحتى شارل بيرو لتركيب شخصية لم أر شيئاً يشبهها طيلة أكثر من ثلاثة عقود في حياتي العربية؛ أي قبل الالتقاء بكائنات غير معرّفة على خرائطي الذهنية، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن أي جنسية عربية/ أفريقية تعمل كالمغناطيس في جذب كائنات عجيبة إلى مداراتها ضمن المجتمعات الغربية.
كلماتُ الغزّي "لن أوجّه لهم أي نداء" أقوى ما يكسر نرجسيتهم
قرأت فرانتشيسكا القصة وتوقّفت عند لحظة تداعٍ للأفكار انصهرت فيها بطلتا العمل لوتشيا ومارتشيلا، وسألتني الناشرة إن كانت اللحظة متعمَّدة أم أنه عليّ إعادة تحرير الصوتين لفصلهما. وهنا أخبرتها أن مربط الفرس يكمن في انصهار الصفات العُصابية والنرجسية والعدوانية للوتشيا بالإضافة لخبرتها المعرفية مع انتهازية مارتشيلا ونرجسيتها المخفية إضافة إلى لطفها الظاهري والأهمّ أوراقها المعرفية التي توظّفها للتلاعُب بضحاياها (في القصة شخصية "جميلة" العربية ووالدتها ومجموعة من اللاجئين العرب) ليخلق كلّ هذا شخصية مركّبة مكوّنة من نمطَي شخصية يبدوان متناقضين ولكنّهما ينصهران في شخص واحد. رأساً اختارت فرانتشيسكا للغلاف صورة وجهين متطابقين يأتيان من زاويتين متعارضتين ولكنهما تلتقيان في نقطة واحدة هي الأشد ظلمة.
وهكذا صدرت L'anticonformista بالإيطالية ضمن سلسلة أدب "noir" (المظلم أو الأسود) باختيار من الناشرة وذلك في يناير 2020. حصلت القصة على تنويه "الصالون الدولي للكتاب" في تورينو حيث دخل الإصدار قائمة الأعمال التي ينصح بها الصالون زوّاره عام 2021. كما حصل على إشادة نقدية ودراسات ضمن ملتقيات أكاديمية، لكن كلمة تلك الناقدة الجزائرية بقيت ترنّ في أُذني "شخصية غير واقعية"، إلى أن أتى الناقد الجزائري لونيس بن علي بمفتاح أساسي لقراءة العمل ضمن مقال بعنوان "رسملة الضحية" نُشر عام 2020، فكّك فيه شخصيات "المتمرّدة" بربطها بالمنظومة الرأسمالية، وهكذا بات من المعقول أن لا يكون القارئ غير المنغمس في منظومة سوسيوـ اقتصادية معيّنة قادراً على إدراك الأبعاد الكاملة لشخصيات لا تنتمي لعالمه المرجعي.
كان هذا قبل أن يأتي عام 2023 بحدث مفصلي في التاريخ المعاصر، رافقه الشعر العربي بواحد من أكثر الأشعار (المكتوبة بالعامّية) تعبيراً عن التعاطي المخاتل للغرب مع حرب إبادةٍ لا يزال الجميع يشاهدها على المباشر: "ينقذ في سلاحف بحرية/ يقتل حيوانات بشرية/ تلك قضية، وتلك قضية". والمثير في أبيات الشاعر المصري مصطفى إبراهيم، والتي قدّمتها "فرقة كايروكي"، أنها لا تصف الغربي اليميني (الشرير في المخيال الجمعي العربي) بل ذلك المُلتزم بقضايا البيئة والصوابية السياسية؛ الغربي الذي "يُنصف حركات الحرية" و"يحضن كلّ الشجرات"، وهو ما يمثّل بروفيل اليساري الراديكالي الذي "يوزّع عطفه وحنانه" على أي شيء وكلّ شيء في هذا العالم. وقد تكون هذه إحدى أهم الانعطافات في الأدب العربي حيث لم تكن شخصية اليساري تبرز إلّا كمناضل حنون أو "ملاك أبيض" بصلصلة علمانية، ليظهر في أغنية "تلك قضية" (2023) كشخصية من الحريّ عدم الاستكانة لأقوالها.
وقد كانت إرهاصات هذا الوعي الذي رافق الموجة النيوليبرالية الثالثة قد ظهر في وقت أسبق مع مغنّي الراب الجزائري "سولكينغ" ضمن نصه (المكتوب بالفرنسية) "داليدا" (2018): "يتظاهرون بأنهم يحبونني/ أمّا أنا فلا أتظاهر بأني أكرههم.../ يمنحون المال لمن يملكه/ ويأخذونه ممن يحتاجه/ تماماً كمن يضيف الماء للبحر... لا تستغرب!/ بل همُ إن شاهدوك تموت عطشاً تخلّوا عنك.../ إذا أردت أن تكون حياتك جميلة، زيّنها بنفسك/ نحن نريد العالَم، وسيكون لنا والسلام/ لست وحدي من يحلم بهذا بل إخوتي معي من الملايين/ أحلامنا سنحقّقها، فلا تخضع للكلام...".
ومن نافل القول الإشارة إلى أن تعاطي الغزييّن مع النفاق العالمي حيال حرب الإبادة المستمرّة عليهم أبلغ من كلمات أي أُغنية، وهكذا خرج محمد أبو سلمية مدير "مستشفى الشفاء" أواخر عام 2023 لتقديم شهادته للإعلام وتوثيق ما يجري خلال حصار المجمع الطبي الذي كان يؤوي آلاف المرضى والنازحين، وعند سؤاله على الهواء عما إذا كان يريد توجيه نداء أو مناشدة لأي مؤسسة دولية وهم تحت ذلك الظرف العصيب، أتى الجواب الكبير: "لن أناشد أحداً ولن أوجه نداءً لأحد... ندائي الوحيد أتوجّه به لله".
بعدها بسنة واحدة فقط، لم يُغلق 2024 أبوابه قبل أن يتوقّع علماء النَّفس أن يتم رسمياً إدراج نمط شخصية جديد في قائمة الشخصيات المعروفة في عِلم النفس الحديث، أطلقوا عليها اسم: "Dark empath" ("المتعاطف المُظلم") وذلك بعد توالي الشهادات عن نمط متزايد الظهور تم توثيقه عام 2024 على "تيكتوك" في هاشتاغات تجاوزت المليونين ونصف مليون هاشتاغ. "لا يحصل كلّ يوم رصد نمط شخصية جديد بهذه الدرجة من الإثارة". تقول صحيفة "الغارديان" في تقريرها المنشور بتاريخ 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 بعنوان: "نرجسيون ـ لكنهم فقط أشدّ انحرافاً: الحقيقة بشأن المتعاطفين المُظلمين".
وقد كان علماء النفس رصدوا عام 2021 ما أطلقوا عليه "بنية نفسية جديدة" تجمع صفات الشخصية العُصابية، والانتهازية والنرجسية وتعتمد التعاطف المعرفي (cognitive empathy) للسيطرة على ضحاياه واستغلالهم، وقد تم نشر البحث ضمن ورقة علمية نشرت في مجلة "Personality and Individual Differences". ليصبح هذا النمط من الشخصية يُصنّف كأخطر أنواع الشخصية لأنه على عكس الشخصية العُصابية التقليدية يُعدّ اجتماعياً، كما أنه يظهر انفتاحاً كبيراً ولطفاً، بل كرماً شديداً مع الآخرين. هذا النمط من الشخصية، تقول الدكتورة دورفاسولا راماني لمنصة "MedCircle"، نراه منتشراً بشكل واضح اليوم بين السياسيين والعاملين في مجالات التسويق.
ليس هذا فحسب بل أكّدت الدراسات أن أكثر "المتعاطفين المُظلمين" منتشرون في القطاعات التي يُفترض أن تُسبّب لأصحابها إجهاداً عاطفياً، لذا نجدهم قادرين على عدم التورّط الوجداني مع كلّ ما يحصل من حولهم ـ مع التظاهر بالعكس ـ طالما أن ذلك يخدم مسيرتهم المهنية ـ وهو ما يضعهم في خانة المتلاعبين. أمّا الحلّ للتعامل مع هؤلاء: "لا تتعاطوا معهم"، تقول خبيرة علم النفس الإكلينيكي راماني، وتُضيف: "ابقوا ببساطة بعيدين عنهم!"، وهو ما ذهبت إليه أيضاً صحيفة "الفاتو كووتيديانو" الإيطالية التي حذّرت من هذه الشخصية الجديدة في تقريرها المنشور بتاريخ السادس والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر 2024: "احذروا 'المتعاطفين المظلمين': يبدون حسّاسين ومتفهّمين، ولكنهم في الواقع عصابيون ونرجسيون، ولا يفكرون سوى في تحقيق أهدافهم الشخصية". لتبقى أقوى جملة تكسر نرجسية هؤلاء، هي كلمات غزّي تحت الإبادة: "لن أوجّه لهم أي نداء!". فهل عجّلت فلسطين في تعرية شخصية "المُتعاطف المظلم" بعد عام من الإبادة؟
وبعد كلّ هذا، هل أكشف سرّاً إن قلت إن "المتمرّدة" لم تكن سوى فلسطين هي ملهمتها؟... لذا لم تكن لتُفتتح سوى بالأبيات النافذة للشاعر الفلسطيني نجوان درويش من قصيدة "قدس" المنشورة عام 2014 بالترجمة الإنكليزية: "فليذهب إلى الجحيم مُبجِّلوكِ/ بائعو تَذكارات ألمِكِ/ كلُّ الذين يَقفون معي الآن في الصورةِ".
* روائية ومترجمة جزائرية مقيمة في إيطاليا