"عندما رأيت البحر" لعلي شحرور.. غناء بالجسد في وجه الخوف

05 مايو 2025   |  آخر تحديث: 09:21 (توقيت القدس)
من اليمين: زينة موسى، وتيناي أحمد، ورانيا جمال خلال العرض (تصوير: قاسم دبجي)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يستلهم العرض المسرحي "عندما رأيتُ البحر" من مقطع فيديو خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان، ويعكس واقع العاملات المنزليات تحت نظام الكفالة من خلال قصص ثلاث نساء مهاجرات من إثيوبيا.

- يتميز العرض بحركة مسرحية دائرية واستخدام مكثف للأضواء والأصوات، مما يخلق تأثيرًا دراميًا قويًا، لكنه قد يزعج الجمهور أحيانًا. يهدف إلى تسليط الضوء على قضايا العدالة الاجتماعية مستلهمًا من مقولات بيل هوكس.

- يتناول العرض موضوعات القسوة والاغتراب والبحث عن العدالة، ويعكس مشهدًا فنيًا لبنانيًا ناشئًا، مستكملاً اشتغالات شحرور السابقة حول ثيمة الموت بالتعاون مع الفنانة حلا عمران.

في عرضه المسرحي الموسيقي الراقص "عندما رأيتُ البحر"، يستلهم المخرج والكوريغراف اللبناني علي شحرور (1989) مقطع فيديو انتشر خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، تظهر فيه عاملات أجنبيات تُركن على قارعة الطريق بلا مأوى، قبالة بحر بيروت، بعد أن تخلّى عنهن أصحاب البيوت التي يعملن فيها. لتصبح الفوضى والدمار الناجمان عن الحرب - ويا للمفارقة - الفرصة الوحيدة لهؤلاء النساء حتى يرين البحر لأول مرة؛ فنظام الكفالة المعمول به في لبنان يقيّد أجسادهنّ ويطبق على حيواتهنّ.

افتُتح العرض على خشبة "مسرح المدينة" في بيروت، بمناسبة "يوم العمال العالمي"، وعُرض في أُمسيات الأيام الثلاثة الماضية، مجسداً واقع حال العاملات المنزليات مع جحيم نظام الكفالة، من خلال قصص ثلاث نساء مهاجرات من إثيوبيا إلى لبنان، لعبت أدوارهنّ: زينة موسى، وتيناي أحمد، ورانيا جمال، بالاشتراك مع المغنية السورية لين أديب، والعازف اللبناني عبد قبيسي.

عبد قبيسي ولين أديب - القسم الثقافي
عبد قبيسي ولين أديب (تصوير: ليا سكيّم)

تتهادى أجساد المؤديات الثلاث على المسرح لتغني وتروي كل منهنّ قصتها بوجه الخوف، وفي المحصلة ليس هناك سوى قصة واحدة مشظاة إلى أقانيم ثلاثة. كذلك الحركة الوئيدة الدائرية المتكومة على ذاتها، والتي يمكن اعتبارها توقيع شحرور الأثير، تشفُّ عن روح واحدة تسكن الأم والابنتين، إن جاز تأويل الأدوار المتقلبة، في فضاء يعج بالندب والحزن باللغتين الأمهرية والعربية. مع ذلك، تستوقفنا الأضواء المسلطة على أعين الجمهور، لمدة طويلة يتحول فيها الإبهار إلى إزعاج، والمصحوبة بأصوات عالية شبيهة بالقصف لا يمكن احتمالها، لدرجة أثرت فيها على تلقي القصة الأولى التي ضاعت في ظل مبالغة تقنية كان يمكن التخفيف من حدتها.

نشدان للعدالة الاجتماعية من خلال الفنّ الذي يمثّل صوت الهامش

"عندما رأيتُ البحر" عرض مبني على القسوة والاغتراب الذي يبلغ حد الجنائزية في الغناء كما في الأداء، حيث يبدو التناغم عالياً بين الثلاثي النسائي، اللواتي يمكن أن يُقال الكثير عنهن، خاصة مع المشهد الأخير من العرض، الذي قفلته تيناي أحمد بحشرجات موت يتردد صداها أبعد من حدود الخشبة. أداء يذكّر بالهامش ويعيه، وكأننا نقف على ترجمة مقولة المنظّرة النسوية الأميركية بيل هوكس (1952-2021): "إدراك الهامشية بصفتها موقفاً وموقعاً للمقاومة شيءٌ حاسم للمقهورين والمُستغَلّن والمستعمَرين".

من العرض - القسم الثقافي
تيناي أحمد خلال العرض (تصوير: ليا سكيّم)

وانطلاقاً من هذه الجنائزية المخيّمة على المشهد، ندلف إلى التفاصيل، فلا نجد سوى أجساد ناحلة نَكّل بها الاغتصاب والعنف والمنفى، أحكام مؤبَّدة لا فكاك منها سوى الهرب من ربقة "الاستعباد الجديد"، ونشدان العدالة من خلال التظاهر والاحتجاج، والفن أيضاً، بوصفه أداة ممكنة وحساسة. هنا، لا يسعنا أن نقرأ "عندما رأيتُ البحر" إلا ضمن مشهد فني لبناني آخذ بالتشكل، خاصة في المسرح والسينما، يتخذ من قضية العاملات المنزليات محوراً أساسياً له، على سبيل المثال: مسرحية "الثقب الأسود" (2021) لهاشم عدنان، وفيلم "حديد، نحاس، بطاريات" (2022) لوسام شرف.

يستكمل العرض الجديد اشتغالات شحرور السابقة سواء على المستوى الموضوعي حيث تحضر ثيمة الموت بقوة، كما في ثلاثيته "فاطمة" (2014)، و"موت ليلى" (2016)، و"عساه يحيا ويشمّ العبق" (2017)، أو حتى على مستوى التعاون الفني الذي تحضر فيه الفنانة السورية حلا عمران، التي أعدت نصوص العرض الحالي، وقد سبق أن تعاونت مع صاحب "نوم الغزلان" (2021) في أكثر من موعد مثل "ليل" (2019) و"كما روتها أُمّي" (2021).

المساهمون