علي كراسنيتشي.. حكاياتٌ شعبية غجرية

02 مارس 2025   |  آخر تحديث: 21:50 (توقيت القدس)
علي كراسنيتشي (1952 - 2024)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تاريخ الغجر وتفاعلهم الثقافي: بدأت رحلة الغجر من الهند إلى أوروبا، حاملين ثقافة شفهية غنية، رغم التهميش والنظرة الاستعلائية من المجتمعات المضيفة.
- إسهامات جوريتش وكراسنيتشي: ساهم جوريتش في تقعيد اللغة الغجرية ونشر الأدب، بينما ركز كراسنيتشي على نشر الأدب الغجري وترجمته، مما عزز التواصل الثقافي.
- التحديات السياسية وتأثيرها: مع تفكك يوغسلافيا، واجه الغجر تحديات كالتطهير العرقي، لكن الأدب الغجري استمر في الازدهار، مع تأثيرات ثقافية متنوعة.

صدرت مجموعة "حكايات شعبية غجرية" عام 1985 عن "دار ريلينديا" الكوسوفية في يوغسلافيا السابقة، لتؤشّر على فترة بالغة الأهمية بالنسبة إلى بروز الهوية الغجرية على مستوى يوغسلافيا والبلقان وأوروبا، وعلى ناحية مهمة تتعلق بالتفاعل والتثاقف مع الوسط الجديد الذي حلّ فيه الغجر بعد رحلتهم الطويلة من الهند قبل حوالى ألف عام.

فقد امتدت رحلة الغجر من الهند عبر بلاد فارس والأناضول، لتتفرع غرباً نحو بلاد الشام ومصر، وغرباً نحو البلقان وأوروبا، حيث حمل الغجر معهم هويتهم المميزة التي ارتبطت بالترحال ثم الاستقرار التدريجي في البلقان ووسط أوروبا، وثقافتهم المتوارثة الشفوية التي ارتبطت بالغناء والموسيقى وكشف الفال، وممارسة بعض المهن كالحدادة وترقيص الدببة في الأعياد والمهرجانات وغيرها.

ولكن مع هذا عانى الغجر من النظرة الاستعلائية من قبل الشعوب التي حلّوا بأراضيها، ومن شيطنة الآخرين لهم، حتى إنّهم كانوا يُخوّفون دائماً الأولاد بهم (خطف الغجر لهم)، وبقيت لهم دوماً الأعمال الدونية في المجتمع بسبب عدم انتظام أولادهم في المدارس وعدم حصولهم على شهادات تتيح لهم العمل والبروز الاجتماعي، باستثناء الغناء والموسيقى، اللذين برزت أسماء نجومٍ منهم في هذين المجالين بلغة الوسط (البوسني والصربي والألباني والمقدوني، إلخ) الذي يعيشون فيه.

اهتمّ كراسنيتشي بترجمة التراث الغجري إلى اللغات المجاورة

ولكن هذه الصورة أخذت تختلف بسرعة قبل عقدين ونصف من صدور هذه المجموعة من الحكايات الشعبية مع الأكاديمي الغجري الصربي رايكو جوريتش  (1947 - 2000) ومع الكاتب الغجري الكوسوفي علي كراسنيتشي (1952 - 2024)، اللذين أعادا الاعتبار للغجر ولغتهم وأدبهم على مستوى يوغسلافيا السابقة وأوروبا.

وكان جوريتش، المولود في قرية قرب مدينة سمِدِرِفو بشرق صربيا، قد عايش في طفولته تنقّل الغجر وتهميشهم، ولكنه صمّم على أن يسير في درب آخر، وذلك بمتابعة تعليمه في المدرسة، وإكمال دراسته الجامعية، وجعلهم موضوعاً لرسالته للدكتوراه، واهتمامه بتقعيد اللغة الغجرية وجعلها لغة مكتوبة، ونشره لمجموعاته الشعرية بها وكذلك للكتب المدرسية، التي أتاحت المجال للجيل الأول من الغجر في يوغسلافيا السابقة أن يتعلّموا لغتهم وبلغتهم، وأن يعيد الاعتبار لتاريخهم وثقافتهم على المستوى الأوروبي بفضل المؤلفات العديدة التي نشرها وتُرجمت إلى عدة لغات.

وهكذا أتاح له الانفتاح الثقافي في يوغسلافيا التيتوية بعد 1966 أن يكتشف موهبته الشعرية وهويته الغجرية بعد أن تواصل مع مثقفين آخرين في أوروبا، فعمل على ترويج الكتابة والنشر في اللغة الغجرية وحتى أن ينشر أولى مجموعاته الشعرية فيها عام 1969 بعنوان "غجري يبحث عن مكان له في الشمس".

علي كراسنيتشي
علي كراسنيتشي

وفي غضون ذلك، كان جوريتش من أوائل الغجر الذين أكملوا دراستهم الجامعية في كلية الفلسفة بجامعة بلغراد، ثم ناقش رسالته للدكتوراه في 1988 "ثقافة الغجر في جمهورية يوغسلافيا الفدرالية الاشتراكية"، ليتحول بعدها إلى التدريس في الجامعة أيضاً. وعلى الصعيد الغجري نشط في وضع كتب مدرسية بالأبجدية الغجرية الجديدة ليضمن تعليماً للأطفال الغجر حتى الصف الرابع، وتواصل مع المثقفين الغجر في أوروبا وأصبح في 1981 السكرتير العام لـ"الاتحاد العالمي للغجر"، ثم رئيسه في 1990.

ولم يكن إسهام علي كراسنيتشي، الأدبي والثقافي، يقلّ أهمية. ففي حين أن جوريتش يمثل الغجر الذين اعتنقوا الأرثوذكسية في صربيا، فإنّ كراسنيتشي يمثل الأغلبية الغجرية التي اعتنقت الإسلام في كوسوفو ومقدونيا وألبانيا وتداخلت لغتها وثقافتها مع اللغة والثقافة الألبانية.

وقد وُلد كراسنيتشي في قرية قرب العاصمة الكوسوفية بريشتينا، وعاش طفولة قاسية بعد فقده لوالديه، ومن ثم كان التعليم رافعة له، حيث كان من أوائل الغجر الذين درسوا في الجامعة (الحقوق) وتفرغ تماماً للإبداع والنشر باللغة الغجرية الشائعة في غرب البلقان (صربيا والبوسنة وكرواتيا والجبل الأسود وكوسوفو ومقدونيا الشمالية وألبانيا واليونان وصولاً إلى قبرص).

يحضر العربيُّ في الحكايات ويتغير دوره من حكاية إلى أُخرى

كان كراسنيتشي يشترك مع جوريتش في أمر واحد: السعي لإحياء اللغة الغجرية وتفعيلها باعتبارها لغة أدبية قابلة للتعبير عن الأدب بكل أنواعه. ومقارنةً بجوريتش، الذي انشغل بالتدريس، كان كراسنيتش أكثر إنتاجاً؛ حيث نشر عشرات المؤلفات الأدبية في الشعر والقصة والمسرحية، وبذلك كان أول كاتب غجري ينشر مسرحيات حظيت بالعرض أيضاً، ليُشعر الجمهور الغجري بأنهم، كغيرهم من الشعوب، لهم تراثهم وأدبهم، ويؤكد أنه بواسطة الأدب يمكن إغناء اللغة الغجرية وجعلها تعبيراً عن هويتهم المتميزة.

وإلى جانب ذلك، اهتم أيضاً بترجمة بعض التراث الغجري والأدب الغجري الجديد إلى اللغات المجاورة، حتى يعزّز التواصل الثقافي ويغيّر من النظرة الاستعلائية التقليدية إلى الغجر، ومن ذلك جمعه ونشره "حكايات شعبية غجرية من كوسوفو" عام 1985 عن "دار ريلينديا" المعروفة.

ولكن تلك السنة كانت فارقة بالنسبة إلى يوغسلافيا والشعوب والقوميات مع صعود سلوبودان ميلوشيفيتش إلى السلطة وسعيه لتوسيع هيمنة صربيا في يوغسلافيا، ما أثار خشية الجمهوريات الأُخرى التي أدت إلى اندلاع الحرب في 1991 وتفسّخ يوغسلافيا إلى سبع دول حتى 1999. ولم يكن هذا التفسخ لصالح الغجر لسببين: فقد توزعوا بدورهم على سبع دول، فتحولوا إلى أقليات صغيرة في الدول المنبثقة من يوغسلافيا (سلوفينيا والبوسنة وكرواتيا والجبل الأسود والجبل الأسود ومقدونيا الشمالية وصربيا وكوسوفو)، مع اختلاف حضورهم الثقافي من دولة إلى أُخرى. ومن ناحية أُخرى، اتّهمت أكثر من جهة الغجر بالتعاون مع "العدوّ"، وهو ما أدى بعد حروب يوغسلافيا (1991 - 1999) إلى تطهير عرقي للغجر في بعض هذه الدول.

كنتُ مجاوراً في السكن لمحلة الغجر في بريشتينا. ولذلك فقد اهتممتُ بصدور كتاب "حكايات غجرية من كوسوفو"، وتواصلتُ مع كراسنيتشي وأخبرته عن رغبتي في ترجمته، لأنه يتقاطع مع اهتمامي بالحكايات الشعبية الألبانية في رسالتي للدكتوراه عن "الصلات الأدبية الألبانية العربية". وخلال عملي في ترجمته، صدر في بلغراد عام 1987 كتاب رايكو جوريتش المرجعي "هجرة الغجر: دورات المعاناة وحلقات السعادة" الذي كتبتُ عنه عرضاً نُشر في مجلة "العربي" الكويتية في عدد آذار/ مارس 1989، أي في العام الذي نشرت فيه وزارة الثقافة السورية الطبعة الأُولى من كتاب "حكايات شعبية غجرية".

وقد فوجئتُ، في الثالث من كانون الثاني/ ديسمبر 2024، بخبر رحيل علي كراسنيتشي، بعدما فرّقت بيننا التطورات المتسارعة بعد انهيار يوغسلافيا، حيث تنقّل في أكثر من مكان إلى أن استقرّ في مدينة سوبو تيتسا بأقصى شمال صربيا التي تتميز بالتعدّد الإثني (الصرب والمجر والغجر وغيرهم). ولذلك رأيتُ أنّ من الضروري تكريم ذكراه بإصدار طبعة ثانية من كتابه "حكايات شعبية غجرية من كوسوفو" (تصدر قريباً عن "دار الحوار" السورية) بشكل أفضل من الطبعة الأُولى، نظراً لما تُمثّله من قيمة في الدراسات المقارنة بالنسبة إلى الأدب الشعبي والمُعتتقدات والمستجدات التي لحقت بالغجر وثقافتهم خلال مجاورتهم الطويلة للألبان.

وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى عدة أمور: أمّا الأول، فهو ما حمله من الموطن الأصلي (شمال غرب الهند) ومن الشعوب التي احتكوا بها خلال رحلتهم الطويلة إلى غرب البلقان مثل الفرس والأتراك والفلاش والسلاف وغيرهم. وأما الأمر الثاني الأهم، فهو اعتناقهم الإسلام في كوسوفو وتأثير ذلك بمعتقداتهم الاجتماعية التي نلمحها في الحكايات الشعبية، بينما الأمر الثالث الأكثر أهمية، مجاورتهم للألبان الذين كان لهم تراث غني في الأدب الشعبي. فنظراً إلى طبيعة المنطقة القاسية في الشتاء، التي كانت الثلوج تُغطى السهول وتُبقي الفلاحين في بيوتهم، كان الترويح عن النفس يتمّ بالعزف على الرباب مع إنشاد الأشعار التي تروي الوقائع والملاحم ورواية الحكايات الشعبية التي تجلب الاهتمام لما فيها من خوارق ومعجزات وتحقيق لأحلام البسطاء (بزواج ابنة الفلاح بالباشا أو الملك إلخ).

ونظراً لأن الألبان تأثروا بدورهم بما ورد إليهم من الشرق خلال الحكم العثماني الطويل (حوالى 500 سنة)، كما أوضحه حسن كلشي (1922 - 1976) في دراسة مرجعية نُشرت أخيراً بالعربية، ومن ذلك بعض ما ورد في "ألف ليلة وليلة"، فإنّ تفحّص الحكايات الشعبية في هذا الكتاب يكشف عمّا أصبح مشتركاً أو مُستلهماً بين الأدبين الألباني والغجري كشخصية العربي التي يتغير دورها من حكاية إلى أُخرى.


* كاتب وأكاديمي كوسوفي سوري

المساهمون