عزمي بشارة: "أرابيكا" مشروع نهضوي عربي ينحاز إلى الحقيقة في مواجهة التجهيل

02 سبتمبر 2026   |  آخر تحديث: 21:00 (توقيت القدس)
عزمي بشارة في برنامج "ضفاف" على شاشة العربي 2 (العربي الجديد)
+ الخط -
اظهر الملخص
- يهدف مشروع "أرابيكا" إلى إبراز الإسهامات العربية في المعرفة وتقديم محتوى موثوق لمواجهة الشائعات في بيئة "ما بعد الحقيقة"، كما يؤكد عزمي بشارة على دورها كبنية تحتية للنهضة.
- يواجه المشروع تحديات غياب الدعم المؤسسي، لكن احتضان قطر له يمثل فرصة لإنجاز عمل عربي يتجاوز الحدود، مستفيداً من شبكة باحثين واسعة لتقديم معرفة تفصيلية عن العالم العربي.
- تميز "أرابيكا" نفسها عن "ويكيبيديا" بمنهجية علمية صارمة وتحكيم مركزي، رافضة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، لتقديم محتوى موثوق ومرجع للباحثين.

يحرص مشروع الموسوعة العربية -أرابيكا- على إبراز الإسهامات العربية في ميادين المعرفة، حتى لو كانت محدودة، بحسب ما أوضح المفكر عزمي بشارة، المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مشيراً إلى أن إنشاء الموسوعة حاجة معرفية ملحّة في ظل التشتت الهائل للمعلومات وانتشار المواد غير المفحوصة، ولا سيما مع وسائل الاتصال الجديدة ومنصات الذكاء الاصطناعي، كما أكد أن المعرفة لا تستقيم من دون منهجية تضبطها وتمنحها شكلاً قابلاً للانتقال بين الأجيال.
 
ورأى بشارة في لقاء معه لبرنامج "ضفاف" أجرته نور الحريري وبُث مساء أمس الثلاثاء على "العربي 2"، أن أهمية "أرابيكا"، المزمع إطلاق بوابتها الإلكترونية رسمياً في يناير/ كانون الثاني 2027، تتجاوز جمع المعلومات وإتاحتها على منصة رقمية. فهي تسعى إلى إنشاء متن معرفي عربي موثوق، ينطلق المبتدئ منه، ويجد فيه المتخصص أساساً موثوقاً لبحثه.

مشروع عربي غائب

وتحدث المفكر العربي عن محاولات موسوعية عربية ظهرت منذ القرن التاسع عشر، بدءاً من تجربة بطرس البستاني (1819-1883)، ثم محاولات توزعت على أكثر من بلد عربي. غير أن أياً منها لم يتحول إلى مشروع شامل، فقد بقي بعضها عملاً فردياً، وحُصر بعضها الآخر في دولة أو حقل معرفي. ولخّص سبب هذا التأخر بقوله: "لا يوجد مشروع عربي".

فالموسوعات الكبرى تحتاج إلى مؤسسة تتبناها وتمولها لعشرات السنين. وتحتاج أيضاً إلى استمرارية لا تتأثر بانتقال الحكم أو تبدل أولويات السلطة.

واستعاد بشارة مشاريع أوروبية حظيت في نشأتها بدعم برجوازية متنورة، ثم تحولت مع انتشار طبعاتها إلى أعمال تحقق دخلاً. أما سوق الكتاب العربي فلا يملك القدرة على تمويل عمل بهذا الحجم.

وتقف طبيعة الدولة العربية خلف جانب آخر من المشكلة. فالدولة لا تنفصل، في حالات كثيرة، عن نظام الحكم، مما يجعل المشاريع الثقافية عرضة للانقطاع عند تغير الأنظمة.

وذهب بشارة إلى تجربة الدول العربية في الخمسينيات والستينيات. لم تكن تلك الدول ديمقراطية، لكنها حملت تصوراً نهضوياً للصالح العام، قبل أن تنحسر هذه الرؤية منذ السبعينيات.

وأشار إلى أن احتضان قطر للمشروع فرصة نادرة لإنجاز عمل عربي يتجاوز الحدود الوطنية. فالمقصود ليس إصدار موسوعة قطرية، إذ تتوافر كتب ومراجع عن قطر، وإنما إنشاء موسوعة موجهة إلى مئات الملايين من الناطقين بالعربية، وإلى من يعرفون العربية من غير أبنائها. ويحمل المشروع طموحاً إلى ترجمة قسم من محتواه.

ويستند العمل، بحسبه، إلى الخبرة التي راكمها المركز العربي. كما يستفيد من شبكة باحثين تمتد من المحيط إلى الخليج، بما يتيح له الخروج من حدود الموسوعة الوطنية إلى أفق عربي أوسع.

الحقيقة وما بعدها

ولعل مسألة الحقيقة وموقعها في المشروع الموسوعي من أشد ما حرص بشارة على تأكيده. فقد عرّف الموسوعة باعتبارها بنية تحتية للنهضة، لا مخزناً للمعلومات وحده. وهي تضع حداً أدنى من المعرفة الدقيقة في متناول الجمهور، وتقف في وجه الشائعة بما تستلزمه من فحص. كما تواجه التزوير والخرافة اللذين يزدهران في بيئة "ما بعد الحقيقة".

تغطية الشجرة المعرفية الأساسية قد تستغرق بين خمس وعشر سنوات

ولا يشير مصطلح "ما بعد الحقيقة" إلى اختفاء الحقيقة أو سقوط إمكان الوصول إليها، وإنما إلى حال تفقد فيها الوقائع الموثقة قدرتها على توجيه الرأي العام. وتنتقل هذه القدرة إلى العواطف أو الانتماءات، فتغدو الرواية المرغوبة أقوى من الدليل.

لذلك قال بشارة إن "أرابيكا" منحازة إلى الحقيقة، وإن منهجها العلمي يحارب الكذب وأشكال التجهيل القائمة في المجتمعات العربية.

فإتاحة المعرفة الموثوقة للجمهور عمل يرتبط بالمصلحة العامة، ويمنح المجتمع أساساً مشتركاً للنقاش. والموسوعات عنده ارتبطت تاريخياً بثقافات الأمم، وإن لم تكن هي التي أنشأت القوميات.

فقد أسهم المعجميون في وضع اللغات المعيارية، ثم حمل الشعراء جانباً من بناء اللغة والوجدان مع قيام الدولة الحديثة. أما الموسوعات فكان دورها بارزاً في التنوير، وفي التعبير المنظم عن ثقافة الأمة.

ستون ألف مدخل

وبحسب بشارة، أمضى القائمون على "أرابيكا" نحو ثلاث سنوات في بناء بنيتها التحتية قبل انطلاق النشر. وبدأ العمل بوضع سياسة للتأليف ومعايير لاختيار المتخصصين. ثم أُنشئت هيئات التحرير، إلى جانب نظام للتحكيم. ويفصل المشروع بين التحرير العلمي والتحرير الموسوعي، مع استمرار التفاعل بينهما.

وأنشأ المشروع هيئة خاصة بالبلدان العربية، تتولى الدخول في تاريخ كل بلد وقضاياه. والغاية أن تقدم "أرابيكا" معرفة تفصيلية لا يجدها الباحث في "بريتانيكا" أو "أمريكانا" مثلاً.

وقد رأى أن الباحث الأجنبي المهتم بالعالم العربي ينبغي أن يجد في الموسوعة العربية مرجعه الأول، لا أن يبقى أسيراً للصورة التي تنتجها الموسوعات الأجنبية عن المنطقة. وتبدأ الخريطة التي وضعها المشروع بما يسميه "المداخل الجذرية"، أي المفاهيم العامة في العلوم، ثم تتفرع منها المعارف المتصلة بها. ووصلت القائمة الأولية إلى نحو ستين ألف مدخل يبحث القائمون على المشروع عن متخصصين لكتابتها.

أما الموقع التجريبي الموجود الآن فيضم قرابة ألف وخمسمئة مدخل. وقدّر بشارة أن تغطية الشجرة المعرفية الأساسية قد تستغرق بين خمس وعشر سنوات، من دون أن يعني ذلك استنفاد فروعها.

ولا تتقيد مداخل "أرابيكا" بطول واحد. يبدأ كل مدخل بموجز يستطيع القارئ غير المتخصص الاكتفاء به، ثم ينتقل إلى نص موسع لمن يريد تعميق معرفته. وتشجع الموسوعة التوثيق الواسع والكتابة شبه البحثية، بخلاف موسوعات تكتفي بعدد محدود من المراجع المقترحة.

والهدف كما يضيف أن يصبح المدخل مرجعاً صالحاً للاقتباس الجامعي، وأن يحمل إضافة فكرية تتجاوز ترتيب المعلومات المتاحة.

الموضوعية ليست حياداً

لطالما شدد بشارة على التمييز بين الموضوعية والحياد وما يتلبس لبوس الحياد. فالموسوعة مطالبة بعرض الوقائع بدقة، ثم تتبع استعمال المصطلح لدى المختلفين حوله. غير أن ذلك لا يفرض تبني حياد متخيل تجاه الاستعمار أو الاحتلال. فعند تناول فلسطين أو سورية تحت الاحتلال الفرنسي، تشرح الموسوعة ما جرى من منظور الشعوب المستعمَرة، لا من منظور القوة الاستعمارية.

وتظهر هذه الرؤية في حرص المشروع على إبراز الإسهامات العربية في الموضوعات العلمية متى وجدت، حتى لو كانت محدودة. فالموسوعات الألمانية تحضر فيها إسهامات الألمان، وكذلك تفعل الموسوعات الفرنسية مع إنتاج ثقافتها.

ومن الطبيعي كما يواصل أن تُظهر الموسوعة العربية ما قدمه العرب، من دون التضحية بالدقة أو تحويل المدخل إلى سجال أيديولوجي.

وتعمل مراحل المراجعة على التقاط الانحيازات غير المسندة. كما يخفف المحررون الاستطراد، ويبعدون المواقف الشخصية عن المتن. ويسترشد العمل بدليل معياري يرسل إلى المؤلف، كي يعرف منذ البداية ما تقتضيه الكتابة الموسوعية.

ولا يشترط المشروع أن ينتمي المساهمون إلى جماعة فكرية متجانسة. الشرط الأساسي هو الاختصاص، تليه القدرة على الكتابة الموضوعية وفق سياسة الموسوعة. ويوقع الكاتب مادته باسمه، على أن تضاف سيرته العلمية لاحقاً، مما يحدد المسؤولية ويتيح للقارئ معرفة صاحب النص. ويرى بشارة أن هذا يخدم المؤلف، فإتقان المدخل قد يجعل اسمه مرجعاً معروفاً في موضوعه، ويوصل عمله إلى قراء أكثر مما تتيحه المقالات المتفرقة.

بين أرابيكا و ويكيبيديا

ومن هنا جاء تمييزه بين "أرابيكا" و"ويكيبيديا". فقد وصف منطلقات "ويكيبيديا" بأنها نبيلة، وأقر بالخدمة الكبيرة التي قدمتها. لكنه لاحظ أن مستوى نسخها يتباين تبعاً للمستوى العلمي لكل جماعة لغوية.

فالنسخة الإنكليزية تستفيد من مشاركة متخصصين يشعرون بمسؤوليتهم العامة، كما تشجع جامعات أساتذتها على الكتابة فيها. أما النسخة العربية فتعكس مشكلات البيئة الثقافية، ولا سيما في مواد التراث وسير الأعلام، حيث تنتشر روايات غير موثوقة وعبارات إشادية لا تخضع لفحص كافٍ. وتجمع "أرابيكا"، وفق هذا التصور، بين إتاحة المعرفة للجميع ودرجة من المركزية المهنية. فالكتابة مفتوحة للمتخصصين من مختلف الاتجاهات، لكن المادة تخضع للتحكيم ثم للتحرير.

وفي هذه المرحلة يفحص المحررون الانتحال، بما يشمل محاولات تقديم نصوص أنشأها الذكاء الاصطناعي. وأكد بشارة أن المشروع لا يعارض الاستخدامات المشروعة لهذه التقنية، لكنه يرفض أن تتولى الآلة التأليف نيابة عن الباحث.

الموسوعة والآلة

واحتل الذكاء الاصطناعي موقعاً مهماً في الحوار، إذ رفض بشارة الاعتقاد أن ظهوره أنهى زمن الموسوعات. فالذكاء الاصطناعي، بحسب تعبيره، "هو الجاهل، وليس حكيماً". إنه أداة حوسبة تعالج ما تعثر عليه، ولا تنشئ المعرفة التي تستند إليها، لأن البشر هم الذين ينتجونها. لهذا يصبح وجود مصدر عربي مفحوص ضرورة إضافية، فما تعرضه المنصات يتوقف على طبيعة المواد التي تجدها.

"أرابيكا" منحازة إلى الحقيقة ومنهجها العلمي يحارب الكذب والتجهيل 

والسؤال، في رأيه، هو: أي معرفة عربية سنضعها أمام الآلة؟ وقد أشار إلى أن بعض محركات الذكاء الاصطناعي بدأت تحيل الباحثين إلى مداخل "أرابيكا"، رغم حداثة الموقع وقلة مواده الحالية.

توحيد المصطلحات

وفي مجال اللغة، تستند الموسوعة إلى محاولة سابقة في المركز العربي لجمع مصطلحات العلوم الاجتماعية بأربع لغات، بينها العربية. وتضم هذه القائمة عشرات الآلاف من المصطلحات. كما تستفيد من "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية"، الذي يتيح تتبع كثير من الألفاظ المترجمة وتاريخ دخولها إلى العربية.

وقال هنا إن "أرابيكا" تسعى إلى الحد من تعدد الترجمات للمصطلح الواحد. لذلك تثبت المصطلح في لغته الأصلية بين قوسين، حتى يعرف القارئ المقابل الذي اختاره المحررون. وتكتسب هذه المهمة أهميتها في العلوم الاجتماعية والإنسانية، حيث أنتجت الترجمة العربية اجتهادات متباعدة للمفهوم نفسه.

وفي ظروف يصعب فيها التأثير المباشر في موازين السياسة، رأى أن ما يستطيع المثقفون والمؤسسات فعله هو بناء نهضة ثقافية للأجيال المقبلة، يمكن أن تترك أثرها في المجتمع عندما تتبدل الظروف.