هدى سويد تستعيد ذاكرة الحرب اللبنانية في كتاب جديد

21 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 16:18 (توقيت القدس)
غلاف الكتاب (تصميم العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تقدم هدى سويد في "عزف على أوتار مدينة" رؤية فريدة للحرب، بدمج السيرة الذاتية والواقع الجماعي، حيث تعكس النصوص تداعيات الحرب على المدينة والإنسان.
- تتنقل النصوص بين الواقعي والرمزي، مستعرضةً صور القصف والتهجير، وتفتح نافذة للتأمل في أثر الحرب المستمر، خاصة للأجيال التي لم تعشها.
- يحظى الكتاب بتقدير نقدي، حيث يبرز قدرة سويد على تحويل تجربة الحرب إلى لغة أدبية، مما يعيد تعريف العلاقة بين المكان والذاكرة والألم والإبداع.

تتخطى الهواجس الإنسانية التي تولد في قلب الحرب كونها مجرد ذكريات؛ فهي موادُّ أوليةٌ تتحوّل إلى لغةٍ، ومن ثم إلى نصوصٍ تشهد على الزمن وأثره على المدينة والإنسان. هذا بالضبط ما تقدمه الكاتبة اللبنانية الإيطالية هدى سويد في كتابها الجديد "عزف على أوتار مدينة" (دار بيسان للنشر والتوزيع، 2025). الكتاب الثالث في مسيرة سويد بعد نتاجيها التوثيقيين "إيطاليا الخفيّة" و"أنا أبقى في البيت"، لا ينتمي إلى السرد التقليدي للحرب ولا إلى التوثيق الصحافي المباشر، وإنما  يخلق فضاء أدبياً جدلياً تتداخل فيه السيرة الذاتية مع الواقع الجماعي، ليصبح المكان شخصاً والمدينة وتراً مشدوداً على وقع الألم والفقد والصمود.

الكتاب، الذي يقع في 252 صفحة من الحجم الوسط، يجمع 29 نصًّا موزعة على فصلين؛ وجدانيات (16 نصاًّ) وسرديات (13 نصاًّ). جميع هذه النصوص نُشرت جزئياً في أثناء الحرب في الصفحات الثقافية لصحف ومجلات، وأعادت سويد انتقاءها وصياغتها بعناية، محافظة على روحها الأصلية، قبل تحويلها إلى لوحة أدبية تعكس تداعيات الحرب على المدينة والإنسان على حد سواء.

تقدم المؤلفة رؤية فريدة للحرب من منظور شخصي وجماعي في الوقت ذاته. النصوص تتنقل بين الواقعي واليومي وبين الرمزي والتأملي، حاملةً صور القصف والتهجير والخوف، أسماء الأمكنة التي تغيّرت أو اختفت وأصوات البشر الذين رحلوا أو غابوا عن الحياة. 

رؤية فريدة للحرب من منظور شخصي وجماعي في الوقت ذاته

في مقدمة العمل، تكشف سويد عن الصعوبات النفسية والتقنية التي واجهتها في أثناء جمع النصوص، وتصف شعورها عند العودة إلى تلك الفترة: "لم أتمكن من المباشرة في مشروعي إلا بعد أن ذبت في تلك المرحلة، وعُدت إلى شراراتها الأولى، أشبه بشريط تسجيلي لمشاهد فيلم، وضعت ذاتي في لياليه ونهاراته.. كانت ليالي بيروت بكل عتمتها ودويّ مدافعها مدادًا للكتابة على ضوء شمعة".

عناوين النصوص مثل  "أضغاث وقت" و"حين يصغر المكان"، و"طريق الصحراء"، و"لكَ المدينة" و"عزف رحيل على أوتار مدينة"، تشكل فسيفساء حية للمدينة، تعبّر عن الصراع بين ما هو ملموسٌ وما هو متوارٍ في الذاكرة وتفتح نافذةً للتأمل في أثر الحرب المستمر على الحاضر، خصوصاً للأجيال التي لم تعشها.

شهادات النقد المصاحبة للعمل، والتي جاءت ايضاً في تقديمه، تؤكد أهميته الأدبية؛ إذ يرى الشاعر والناقد محمد فرحات أن سويد تلتقط من الحرب قبساً، لا المحرقة كاملة، محوّلةً التجربة إلى لغةٍ تصف الواقع وتعيد نحته. فيما يشير الصحافي أحمد أصفهاني إلى أن عملية انتقاء النصوص القديمة تشبه نفض غبار العمر عن لحظات ولادةٍ قاسيةٍ، مؤكداً أن الكاتبة لم تفصل ذاتها عن الحدث، بل أخذت القارئ معها إلى أماكن وأزمنةٍ محفورةٍ في الذاكرة. أما الشاعر والناقد أنطوان أبو زيد، فيرى أن الكتاب يواجه القارئ بنصوص وجدانية مشبعة بالخوف والفقد، وأخرى تخييلية تسمح بالتحليل والتأمل، ليصبح الألم مادة أدبية يُعاد التفكير فيها لا لتثبيتها.

يشكل "عزف على أوتار مدينة" شهادةً حيّة على قدرة الأدب على إعادة المدينة إلى حياتها، وإعادة الإنسان إلى ذاكرته، وعلى استثمار الكتابة أداةَ مواجهةٍ، تقدم عبرها هدى سويد تجربةً شعوريةً متكاملةً تُعيد تعريف العلاقة بين المكان والذاكرة وبين الإنسان وحدثه وبين الألم والإبداع.

المساهمون