طوابع أردنية تحتفي بعرار: استحضار الصورة وتغييب المتن

طوابع أردنية تحتفي بعرار: استحضار الصورة وتغييب المتن

11 يونيو 2021
الصورة
منزل عرار في مسقط رأسه، إربد
+ الخط -

في عام 1919، اعتُقل الشاعر الأردني مصطفى وهبي التل، المعروف بـ عرار (1899 – 1949)، إثر نشره طرفةً في "مجلّة الإخاء" تهكّم فيها على الحاكم العسكري لمدينة دمشق، علي رضا الركابي. سيخرج من السجن معاهداً نفسه أن يقول كلمته ويمضي، سواء كانت سبباً في سجنه أو اعتقاله أو إعفائه من منصب حكومي.

عبّر عرار في حياته القصيرة عما يُحبّ ويكره، وكلّ ما يؤمن به من أفكار ورؤى وما يخرج عليه من نُظم وقوانين، غير آبهٍ لحسابات السلطة والمكانة الاجتماعية، ولا مكترثٍ بتناقض الرأي والموقف والوجد، بما تمليه تقلّبات الزمان، فلم يُبال إلّا بصورته التي ثبّتها للأبد: شاعر متفلّت من قيود عصره ومتمرّد على مألوف القول والكلام في وطنٍ ابتدع له هويته الحديثة بما يمتلكه من حقيقة وأساطير.

وغالباً لم يدُرْ في خَلَده أن مؤسّسة البريد في بلاده ستطرح، بعد نحو اثنين وسبعين عاماً من رحيله، إصداراً يتكوّن من أربعة طوابع تحوي ــ بالإضافة إلى بورتريه له ــ أربع صور التقطها الفوتوغرافي سامي الزعبي لمنزل عرار في مسقط رأسه، مدينة إربد (80 كلم شمال العاصمة الأردنية)، الذي تحوّل إلى متحف ثقافي سنة 1994.

شاعرٌ تفلّت من قيود عصره وتمرّد على مألوف القول والكلام

قد يحمل الإصدار البريدي لفتةً رمزية إلى عرار الذي تتعدّد الاستعادات الرسمية لذكراه، عبر احتفالات وندوات وقراءات شعرية، لكنها تُغيّب عادةً السياقات الاجتماعية والسياسية التي ارتبطت بها قصائده، ومنها انتقاده لممارسات المستعمِر البريطاني في بلاده وفلسطين، وسلوكيات رجال الحكم الساعين نحو الثورة بطرق غير مشروعة، وعلاقته بعشرات الشخصيات الأردنية والعربية، وأوصافه الحادّة الصريحة بحقّهم. وقد بقيت معظم تلك الوقائع حبيسة دراسات تتناول سيرته وتجربته الشعرية، أو روايات شفوية يتناقلها الناس.

في قصيدته الشهيرة "والعِلم في عمّان أزياءُ"، يعرّي كلّ أشكال النفاق في السياسة والتمدّن والتديّن، وتجاهل السياسيين لمطالب الشعب وطموحاته، وانعدام العدل والإنصاف، ويخاطب في نهايتها هنري كوكس، المعتمد البريطاني في عمّان: "لا تحسب الجرح فيمن لا يضجُّ أسىً/ يا كوكس، مندملاً، فالضيم نكّاءُ/ والحقّ، لا بدّ من إشراق طلعتهِ/ مهما استطالت على أهلِيْه ظُلماءُ".

الصورة
عرار

كذلك يشير في بيت شعرٍ إلى موظّف في السفارة البريطانية، يسمّى لدغر، الذي ترك الوظيفة واشتغل بالتجارة، فأنشأ مع بعض تجّار العاصمة شركةً للطيران. ويسخر من النخبة الحاكمة في قصيدة أخرى يقول فيها: و"أنت يا عمّان لا رأي في/ أهليك إن لم يرَه المعتمدُ"، في إشارة إلى المعتمد البريطاني الذي يُخضع الجميع لسلطته.

يشير يعقوب العودات، المعروف بلقب البدوي الملثَّم (1909 – 1971)، في كتابه "عرار: شاعر الأردن"، إلى نظرة الشاعر النقدية التي شكّلها نموذجٌ أخلاقي مِثالي رسمه لنفسه ولم يحِد عنه، وإنِ اتّخذ من العبَث والسخرية مسلكاً ونهج حياته، إذ يقول: "وأهمّ شيء يجب أن تعرفه هو أن الوظيفة ليست بمورد رزق، لأنه منتزع من لُقَم الجياع والمساكين، والله لا يطرح فيه البركة بالغاً ما بلغ".

آمن عرار بوطنٍ ينتمي إليه أبناؤه بالكدّ والعمل، ولا يرفعهم التزلُّف والولاء للسلطة، منحازاً إلى النوَر (الغجر) الذين لم يتخلَّ عن صحبتهم يوماً واتّخذهم رمزاً في شعره للدفاع عن كلّ مضطهد يحلم بأن يحيا كريماً، عزيزاً وحرّاً. رؤيا لا تزال راهنة بعد أكثر من نصف قرن على رحيله.

الأرشيف
التحديثات الحية

المساهمون