طه السبع.. عراقي يبحث عن نخلة في مراكش

18 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 03:09 (توقيت القدس)
من المعرض
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- معرض "نحن.. ليس أنا" للفنان طه السبع في مراكش يُقام في فضاء "الحدائق السرية"، ويعكس فلسفة جماعية تتجاوز الفردية، حيث تتنوع اللوحات بألوان مبهجة ورموز بصرية مثل القلوب والطيور، مما يثير تساؤلات حول الهوية والذات.

- رحلة طه السبع بدأت من بغداد إلى مراكش، حيث استقر بعد نصيحة من مواطن عراقي، وبدأت مسيرته الفنية العلنية بعد أن لفتت لوحاته انتباه مسؤول فرنسي.

- وُلد السبع في بغداد عام 1947، ودرس العلوم الفيزيائية والفنون، رافضًا الانتماء إلى مدرسة فنية محددة، حيث تجمع لوحاته بين الحرفية والدفق الروحي.

مراكش - فاطمة حميد

يحمل معرض الفنان التشكيلي العراقي طه السبع "نحن.. ليس أنا"، المقام حالياً في فضاء "الحدائق السرية" بمدينة مراكش؛ ذلك القصر التاريخي العائد إلى القرن السادس عشر، الذي يتميز بخصوصيات معمارية وفنية فريدة، دلالات فلسفية وإنسانية عميقة، تقوم على المراهنة على الجماعي بدل الفردي، وعلى التعدّد بدل الانغلاق، وعلى الحب بوصفه قيمة بصرية وروحية تتجاوز حدود الألوان والقماش.

في أروقة المعرض الذي يتواصل حتى نهاية سبتمبر/ أيلول المقبل، تتوزع لوحات طه السبع كأنّها مرايا صغيرة تعكس وجوهاً متنوّعة، تختلف ملامحها، لكن يجمعها خيط غير مرئي: الألوان المبهجة، النظرات المفتوحة على الدهشة، الرموز البصرية الصغيرة مثل القلوب والطيور.

هذه الرموز ليست زينة عابرة، بل همسات تشكيلية تقول: "Only with love"، وتختصر رؤية الفنان الذي لا يرى في الفن ترفاً، بل مساحة للتساؤل والتعبير والتلاقي.

عند تأمّل هذه الأعمال، يظهر أننا أمام نزعة تعبيرية رمزية؛ الملامح البشرية تنصهر مع الألوان الحارة والخطوط السوداء السميكة، لتشيّد عالماً بصرياً نابضاً بالحميمية: العيون الواسعة لا تنظر إلينا وحسب، بل تسائل الذات والآخر، تحتضن الحيرة كما تحتضن الأمل، وتدفعنا للتأمّل لا لاستهلاك الجمال.

في كلّ وجه أو رمز مرسوم، صوت خافت يسأل: من نحن؟

في المعرض الألوان ليست عشوائية. فالأحمر والأصفر والأخضر تُشكل طقساً بصرياً يُصالح بين الفرح والوجع، بين الفرد والجماعة. أما الخطوط الغليظة التي ترسم الملامح، فتبدو أحياناً وكأنها تصارع الشكل؛ تقيّده وتحرّره في آنٍ، في إشارة إلى صراع الروح مع الجسد، والذات مع العالم.

تسري في اللوحات رائحة الشرق وملامح الفنون الشعبية والمنمنمات، لكن بشكل حرّ لا يُكرّر التراث بل يُعيد تشكيله وتأويله. في إحدى اللوحات، نرى امرأة تحمل طائراً صغيراً، وتبدو العلاقة بين الأنا والنحن فيها ملموسة بعمق: اليد تمنح، والوجه يتأمّل، والخلفية تشبه هالة دعاء أو أغنية صامتة.

من بغداد إلى مراكش

لم يكن المغرب في البداية سوى محطة عبور للفنان التشكيلي العراقي طه السبع، الذي شدّ رحاله قبل سبعة وأربعين عاماً، وفي ذهنه أن يُكمل الطريق نحو لندن. لكن اسم مراكش، المدينة التي ظلّت في ذاكرة العراقيين مقرونة بالدهشة والأسطورة والتاريخ، كان أقوى من خططه للرحيل. وهناك التقى أحد مواطنيه، فنصحه بالبقاء والعمل بدلاً من البحث عن بلادٍ أبعد. قادته تلك النصيحة إلى الرباط، حيث سهّل تكوينه الأكاديمي، فهو خريج جامعة عراقية، أن يجد مكاناً له في سلك التعليم، فصار معلّماً في مراكش، وهو في عمر الثلاثين.

من المعرض
من المعرض

عشرة أعوامٍ مرّت قبل أن يغادر مع أسرته، التي كوّنها في مراكش، إلى كندا، تاركاً بيته المغربي مغلقاً، ليكون نافذة لعودة مؤجّلة. لكن الشمال لم يُطِل مقامه؛ فقد ظلّت صورة النخلة تسكنه، وحين كانت زوجته تسأله: ماذا تريد؟ كان جوابه البسيط: أريد أن أرى نخلة!

عاد السبع إلى المغرب، هذه المرة بيقينٍ كاملٍ بأن جذوره نبتت هناك. انشغل بتجارة الأدوات الإلكترونية، لكن الفن لم يفارقه؛ فكانت لوحاته ترافقه في خلفية متجره، حتى لمحها صدفة مسؤولٌ فرنسي، فأُعجب بها، واقترح عليه إقامة معرضٍ في المعهد الفرنسي. هناك بدأت رحلته التشكيلية العلنية، حيث بيعت أولى لوحاته، وكأن جميع عروضه المتواضعة في بلاد الرافدين، حين كان يدرس فنّ النحت، إلى جانب دراسة الهندسة، كانت مقدّمة لهذا العرض البهيّ، لتتوالى بعد ذلك محطات اللون والتجريب.

حين سألته عن أول لقاء جمعه بالريشة، استعاد طه السبع، المولود في بغداد عام 1947، تلك اللحظة بروحٍ تأملية، وقال: "لقد جمعتُ النقيضين، أو هكذا يُظن: العلم والفن. درستُ العلوم الفيزيائية في جامعة بغداد، وفي الوقت نفسه انشغلتُ في المعهد التابع للجامعة بأكثر من اختصاصٍ فنّي حرّ؛ نهلتُ من الرسم والموسيقى والنحت. تتلمذتُ على يد الفنانة الحروفية الرائدة مديحة عمر في فنّ الرسم والتلوين، وعلى النحات عيدان الشيخلي، وتعلّمتُ شيئاً من الموسيقى على يد طارق حسون فريد. فقد كان نظام التعليم آنذاك يشجّع على هذا التنوّع، والأهمّ أنه كان يوافق ميولي الداخلية ويغذّي شغفي".

من المعرض
من المعرض

ربما يُشبه هذا ما قاله الأديب تشيخوف، الذي كان طبيباً أيضاً، حين سألوه كيف استطاع أن يوفّق بين الطب والأدب، فأجاب: "الطب زوجتي، والأدب عشيقتي".

منذ بداياته، رفض طه السبع الانتماء إلى مدرسة فنية جاهزة؛ كان يؤمن أكثر بأن لكل لوحة نفسها الخاص، وصوتها الذي يجب أن يتردّد طويلاً في ذاكرة المتلقّي. لوحاته ليست مجرّد زينة للجدران، بل مساحاتٌ للتساؤل والتأمّل، تجمع بين الحرفيّة والدفق الروحي، حيث لا يكتفي بنقل المشهد، بل يعيد تأويله، فتولد في اللوحة حكاياتٌ صامتة، وأحياناً جروحٌ غير مرئية.

المساهمون