"طفولة الفن" لعبد الكريم الوزاني.. عودةٌ إلى عالَم كأنه يُرى للمرة الأولى

04 يناير 2026   |  آخر تحديث: 08:06 (توقيت القدس)
من المعرض (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- استلهام الطفولة في الفن: يعرض الفنان المغربي عبد الكريم الوزاني في معرضه "طفولة الفن" تجربة فنية تستلهم من الطفولة، حيث يحرر الأشكال من القيود الأكاديمية لتتحرك بين التجريدي والرمزي، مستكشفًا "المنطقة البيضاء" التي تسبق التعلم.

- تجربة وجودية وبصرية: يدعو الوزاني المشاهدين إلى عيش طفولة جديدة داخل اللوحة، حيث تتحرر الخطوط من الصرامة الأكاديمية، مما يتيح للمتلقي فرصة لإعادة تشكيل العالم من جديد.

- البساطة والعمق: يخلق الوزاني طبقات متعددة من القراءة في أعماله، حيث تحمي الخطوط الطفولية خبرة طويلة في التجريب، مما يجعل البساطة طريقاً إلى العمق والإحساس.

يأتي معرض الفنان التشكيلي المغربي عبد الكريم الوزاني الجديد "طفولة الفن" ليذكّرنا بأن الطفولة طاقة خام، وحالة معرفية وجمالية، وركيزة أسلوبية تتميز بالاشتغال خارج الأقيسة المتداولة، كذلك الولع اليقظ بدفاتر الأطفال ورسومهم، حيث تتحرر اليد من سلطة المهارة لصالح التعبير النقي.

يشتغل الوزاني، في هذا المعرض الذي افتتح في التاسع من الشهر الفائت في غاليري "محترف 21" بالدار البيضاء، ويتواصل حتى العاشر من الشهر الجاري، على إعادة فتح تلك "المنطقة البيضاء" التي سبقت كل تعلم، ويجعل منها مصدراً لتوليد أشكال تتحرك بين التجريدي والرمزي، بين ما يشبه أثر اللعب الأول على جدار، وما يشبه ارتجاجاً داخلياً يعيد ترتيب الذاكرة. إذ تتحول الأشكال داخل هذه المنطقة إلى أصول تؤسس، ولا تحاكي: وردة، بهلوان، عربة بأربع عجلات، ونخلة وسمكتان، وتوأم حيوان خرافي، وسمكتان في حوضين متماثلين تفصل بينهما شجرة بخمس ثمرات، طائر برسماوي، دراجة بأربع أرجل، شجرة بجذع نحيل وثماني أوراق ضخمة.. إلخ.

حين نتأمل علاقة العين بلوحات عبد الكريم الوزاني، ندرك أن الرؤية هنا ليست مجرد قدرة بصرية، وإنما تجربة وجودية تنبع من إعادة اكتشاف العالم كما لو أنه يُرى للمرة الأولى. فالوزاني لا يدعونا إلى تذكّر طفولتنا، بل إلى عيْش طفولة جديدة داخل اللوحة: طفولة لا تُستعاد من الماضي بل تتشكّل الآن، في الحاضر، من خلال انفتاح اللون، ورعشة الخط، واتساع المساحة على اللعب مثل طفل يكتشف العالم بلا أثاث سابق. فالخطوط نفسها تتحرر من الصرامة الأكاديمية، وتميل إلى المسارات المتعرجة التي تُفضّل اللايقين على الانضباط، وتعرض المتلقي لذلك الارتجاج الخفيف الذي يضعه أمام بداياته الخاصة، أي أمام اللحظة الأولى التي يتعلم فيها الجسد كيف يلامس العالم ويعيد تشكيله. 

لوحات لا تستعيد طفولة من الماضي بل تشكّلها في الحاضر

هكذا نجد أن الفنان يجعل البداية (الطفولة) فلسفة في الخلق؛ كأن الفن الحقيقي يظل طفلاً مهما تقدم به العمر. اليد التي تتعلم قبل أن تعرف، والخط الذي يميل ويتعثر قبل أن يستقر ويستقيم، واللون الذي يبحث عن مكانه قبل أن يعلن هويته. وتتعقّد هذه الطاقة حين ندرك ميل الوزاني الدائم إلى الجمع بين المتناقضات: خفة اللعب التي تشبه خطوات الطفل الأولى، وصلابة الأثر التي تشبه رسوخ الجبال. 

هناك لوحات تبدو كأنها تبحث عن أصل الشكل، عن تلك الشرارة الأولى التي جعلت اليد البشرية ترسم خطاً على جدار كهف، ما يكسبها توتراً خلّاقاً بين المادة وحركتها يجعل هذه التجربة تتجاوز الحدود الشكلية نحو طبقات حسية وفلسفية متوارية خلف "المنطقة البيضاء".

يشبه الدخول إلى معرض عبد الكريم الوزاني الدخول إلى منطقة أولى من العالم، تلك التي لم تتعرف فيها الأشياء إلى أسمائها بعد، ولم تتحول فيها الخطوط إلى أشكال نهائية ذات معنى، ولم تتخذ الألوان طابعاً يستجيب للذوق العام. كل شيء يبدو كما لو أنه ينشأ الآن، في لحظة التكوين الأولى.

هنا، يصبح "التشكيل بالطفل" أسلوباً في النظر، وموقفاً من العالم، ولغةً لتصوّر ما يحدث في الداخل قبل الخارج. وهذا ما يجعل تجربة الوزاني تستدعي بشكل طبيعي، ومن غير قصد أو محاكاة، تلك الروح التي ميزت رسومات "خوان ميرو" الذي استدعى رسوم الأطفال مصدراً للإيقاع والخفة، لأنه كان يطمح إلى "قتل الأكاديمية" في الرسم، والعودة إلى العلامة الأولى والأشكال البدائية.

يقدّم الوزاني طفولة نعيشها داخل اللوحة، لا خارجها. فالألوان مساحات مفتوحة على اللعب والحلم؛ والمسارات الخطية لا تخضع لصرامة أكاديمية، بل تتعرّج كما لو أنها قادمة من ذاكرة جسد يتعلم قبل أن يعرف. وهو هنا، كما في أعمال الإسباني خوان ميرو، لا يتعامل مع الخط بوصفه حداً، وإنما رحلة قيد التكوين، ينمو ويتشعب، يتردد ويندفع، يلتفّ حول نفسه ثم ينفتح على البياض ليلعب نكاية في الانضباط. واللعب في اللوحات آلية أساسية لبناء المعنى وطريقة لفتح العالم بدل غلقه، ولنزع ثبات الدلالات كي نسمح لها بالتحوّل والاهتزاز. 

هذا الاشتغال على البساطة الغنية يخلق طبقات متعددة من القراءة. فالخطوط التي تبدو طفولية تحمي داخلها خبرة طويلة في التجريب، والبقع اللونية التي تبدو عفوية تخفي خلفها معرفة دقيقة بوزن اللون ومساحته وتوتره. كما أن اللوحة تقترح شكلاً آخر للفهم: فهم يقوم على الإحساس، وعلى الإصغاء إلى التفاصيل الصغيرة التي يتجاهلها الكبار عادة، وإلى تلك الاهتزازات الدقيقة التي تجعل من الرؤية حدثاً وجودياً. وهنا تكمن نقطة الالتقاء الأعمق بين الوزاني وميرو. كلاهما يتعامل مع العالم بوصفه شيئاً لا يمسك دفعة واحدة، وإنما يكتشف تدريجياً. وكلاهما يعتقد أن الفن لا يعيد إنتاج الواقع بل يعيد خلقه؛ وكلاهما يرى أن البساطة ليست نقيض العمق، بل طريق إليه.

المساهمون