استمع إلى الملخص
- الأداء المسرحي يعتمد على الصدق والخبرة، حيث يتحول الألم إلى لغة مؤثرة. تمرّد زهور على رحّال يتجاوز العلاقة الزوجية ليصبح تمرّداً على قيود الفن والسلطة، مما يضعها أمام سؤال وجودي حول ثمن الحب والفن.
- المسرحية تقدم تجربة إنسانية غنية، حيث تتشابك طبقات درامية بين الانكسار والرغبة في المسامحة. السينوغرافيا البسيطة تتيح للمشاهد الانغماس الكامل، بينما تعيد زهور تعريف علاقتها بالحب والفن والذات.
يطرح الكاتب المغربي عبد الحق الزروالي أسئلة يتجنّبها كثيرون؛ ما الذي يبقى من الحبّ بعد سنوات العطاء؟ وما الذي يبقى من الفنّ حين يستوفي حصَّته من العمر؟ وكيف يمكن للذات أن تحافظ على جوهرها حياً بعد دفع الضريبة كاملة؟ وغيرها من الأسئلة في مسرحية "ضريبة العشق" التي قُدمت أول مرة بداية الشهر الجاري على مسرح محمد الخامس بالرباط، بتوقيع الفنان المخرج مسعود بوحسين.
لا يكفي الأداء الجيد أو النص المتقن في مثل هذه الأعمال، وإنما يُطلب من الممثل أن يحفر في ذاكرته كما في جسده وفي روحه، ليحوّل الألم والخسارة والتجربة إلى لغة تكثف المعنى وتترك أثره في كل من يراه. على الركح، تقف الفنانة جميلة الهوني في دور زهور، ممثلة كرّست ثلاثين عاماً من عمرها للفن والحب، لعلاقة جمعتها بزوجها رحّال، الذي كتب لها الأدوار، وصاغ لها الحياة فوق الخشبة.
في غرفة تغيير الملابس التي أحكمت إغلاق بابها، تعيد زهور حساباتها، وتستعيد بوجع سنينها الضائعة مع رجل استنزف تفاصيلها. رحال الرجل الذي نسمع صدى صوته (صوت عبد الحق الزروالي) في المسرحية محاوراً تارة وشاعراً تارة أخرى، في حديث استرجاعي لما مضى، قبل أن يصلنا طرقه باب الكواليس، التي ترفض زهور مغادرتها إلى الخشبة، حيث الجمهور في انتظارها.
الأداء يبني حضوراً قائماً على تراكمات الصدق والخبرة
الأداء يبني حضوراً قائماً على تراكمات الصدق والخبرة، ويحوّل التجربة الشخصية إلى وعي جماعي يلمس كل من يشاهده. النص، الذي كتبه الزروالي، يمزج بين العمق والسخرية والسريالية، ليخلق ميتامسرحاً يفكك السلطة المفروضة على الفنان والممثلة. حضوره الصوتي داخل العرض قوة تمثل المؤلف، والنص، والمنظومة التي تحاصر الممثلة، وتضعها أمام سؤالها الوجودي: ما ثمن الحب والفن والحياة؟ تمرّد زهور على رحّال يتجاوز العلاقة الزوجية، ليصبح تمرّداً على كل قيود الفن، وعلى كل سلطة تحدد شكل التجربة الإنسانية، وعلى الخشبة، أيضاً، حين تتحول إلى قدرٍ يبتلع العمر.
بين الانكسار والرغبة في المسامحة وبين الخوف من النسيان والغضب من الظلم، تتشكل طبقاتٌ درامية متشابكة، تغرق الجمهور في تجربة الإنسان أمام الحب والفن والذات. يتحول المسرح إلى فضاء حي، تتكامل فيه الحركة والصمت والنص والإيقاع والإضاءة، فيصير الجمهور شريكاً في كل شعور وكل صراعٍ.
بساطة السينوغرافيا التي اشتغل عليها بوحسين ودقة الإضاءة، وتدرّج الحركة، تمنح المُشاهد القدرة على الانغماس الكامل والشعور بكل لحظة ضعفٍ أو قوة وبكل حيرة أو انتصار. لا مؤثرات بصرية ملهية، ولا إيقاع متسارعاً، فقط رهان على قدرة المسرح على أن يكون فضاءً للتجربة الصادقة، تجربة نجحت فيها جميلة الهوني، وهي تبدع التقمص في أول مونودراما لها على الخشبة.
"ضريبة العشق" نوع من المسرح الذي يرفض الاستهلاك السريع، ولا يراهن على الإبهار العابر، مسرحٌ يحتاج إلى إعدادٍ طويلٍ وإلى صبرٍ وإلى اشتغالٍ عميقٍ على الجسد واللغة والذاكرة.
زهور، وهي تخاطب رحّال، تخاطب منظومة كاملة جعلت من الممثلة أداة، وصيّرت الجسد مادة، والعمر تفصيلاً ثانوياً، لترفع جملة "ماشي مطلوب تكون شاعر.. كُن غا راجل" (ليس مطلوباً أن تكون شاعراً.. فقط كن رجلاً) بوصفها خلاصة وعي ورفض. لحظة صادقة من امرأة تراكمت خيباتها على مدى الحياة، فتغدو الفرجة جماعية، والمسرح مكاناً للمعنى وللتجربة.
في عمقها، تكشف المسرحية هشاشة المرأة أمام الحب والفن والصراع الداخلي بعد خيبات العاطفة، كما تكشف التداخل المستمر بين الواجب المهني والرغبة الشخصية. زهور قد تبدو ضحية، لكنها امرأة تصل إلى وعيها فتختار البوح، وتعيد تعريف علاقتها بالحب وبالمسار الفني، وبنفسها أولاً. كل ألم وكل خسارة وكل تمرّدٍ يتحول إلى معرفة، وكل لحظة مواجهة تصبح اختباراً للحياة والفن معاً.