صنع الله إبراهيم.. الراوي السياسي العليم

13 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 21:10 (توقيت القدس)
صنع الله إبراهيم في فرنسا، 1999 (فريديريك ريغلان/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- صنع الله إبراهيم كان رمزًا للتغيير في الرواية السياسية العربية منذ السبعينيات، حيث عانى من الاعتقال والاضطهاد بسبب انتمائه لليسار، وبدأ مسيرته الأدبية بعد خروجه من السجن.
- تميزت أعماله بدمج الواقعية التوثيقية مع السخرية، وتناولت مواضيع مثل الحرب الأهلية اللبنانية والتحولات الاجتماعية في مصر، ورفض جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي عام 2003.
- ركز في سنواته الأخيرة على توثيق الأحداث التاريخية المهمة في مصر والعالم العربي، مثل حركة ظفار في عُمان وتجربته في الاتحاد السوفييتي، مؤكدًا دوره كمثقف مشتبك مع السياسة.

حلْم التغيير هو ما رسخه صنع الله إبراهيم الذي رحل أمس، في الرواية السياسية العربية التي كان أبرز أصواتها منذ السبعينيات، وهو من عاش حياة قلقة بسبب انتمائه إلى اليسار وتعرّضه للاعتقال والاضطهاد من قبل السلطات الحاكمة.

وجد الروائي المصري الذي اعتقل إبان العهد الناصري خمس سنوات (1959-1964)، نفسه في متاهة الواقع، فسكَت كثيرون ممن عاشوا تجربته النضالية ذاتها، لكنه وجد أن الخضوع لإماءات القمع يعني هزيمة مبرمة، فكان أن مضى في الدروب التي صنعت اسمه. 

وطبقًا لهذا، فإن الرواية السياسية لم تُبنَ كونها تيارًا إبداعيًّا بقدر تعبيرها عن نباهة الفاعلين وقدرتهم فيها على تثبيت موقعها بآليات تجعلها حاضرة أمام جمهور يتناولها بمتعة. صنع الله المولود في القاهرة، لعائلة تنتمي إلى الطبقة الوسطى أو البرجوازية الصغيرة وفق تعبيره، حين تحدث عن طفولته في رواية "التلصص"، التي نشرتها دار هنداوي مجانًا أمام القراء العرب في نسخة إلكترونية، بالإضافة إلى رواياته الأخرى، بدأ دراسته الجامعية في كلية الحقوق، لكنه سرعان ما انخرط في التنظيم الشيوعي المصري، وانتهى به الحال سجينًا ضمن حملات ضد اليسار في عهد عبد الناصر. وبعد خروجه، سجل شيئًا من تفاصيل ما عاشه في المعتقل في قصة "تلك الرائحة"، التي صدرت عام 1966، وعُرف من خلالها بوصفه ساردًا واعدًا في الأوساط الأدبية، رغم قرار الرقابة بمنعها آنذاك. 

عُرف بوصفه ساردًا واعدًا منذ مجموعته القصصية الأولى رغم منعها

انتظرت تجربته الروائية وقتًا مديدًا قبل أن تتكرّس في المشهدين المصري والعربي، حيث قضى قرابة عقد ونصف عقد في الكتابة الصحافية، ثم ذهب إلى موسكو لدراسة السينما (الكتابة والإخراج)، حيث التحق بالمعهد السوفييتي "VGIK" في أوائل السبعينيات، غير أن دراسته لم تكتمل بسبب انشغاله بكتابة روايته الثانية "نجمة أغسطس" التي صدرت عام 1974، التي تناولت بناء السد العالي، والاستغراق بالمشروع التنموي كنايةً عن طموح وطني وشعبي هائل، يكتمل رغم الفساد الذي يتخلل فترة إنجازه،

ثم قرر التفرغ للكتابة الأدبية نهائيًّا عام 1975، كما ساهمت علاقاته الشخصية بزملائه من السينمائيين العرب في العمل مع المؤسسة العامة للسينما في سورية، حيث كتب في العام 1979 سيناريو فيلم "القلعة الخامسة" للمخرج بلال صابوني عن قصة للعراقي فاضل عزاوي.

وفي عام 1981، أصدر روايته الأشهر "اللجنة" (1981)، التي شكلت بمضمونها هجاءً ساخرًا لسياسة الانفتاح في عهد السادات، ضمن منحى كافكاوي ويمكن بلغة الحاضر اعتباره ديستوبيا حقيقية، يُستدعى بطل الرواية أمام هيئة غامضة تُدعى "اللجنة"، التي تمثّل رمزًا لسلطة تمارس القمع الفكري، والإذلال، والمراقبة المطلقة، وتطلب منه أن يختار أبرز إنجازات العصر. وبأسلوبية لافتة، يدمج الروائي بين المونولوج الداخلي والتوصيف الساخر في أفق عبثي ولغة صحافية محايدة صراع المثقف مع السلطة، حيث ينتهي إلى كرامة مفقودة وهشاشة نفسية لا تصمد، وبفقدان كامل للأمل!

وثّق الحرب الأهلية اللبنانية وثورة ظفار وأحداثًا أخرى

منذ روايته هذه، أصبح أسلوب صنع الله إبراهيم معروفاً بإدماج الواقعية التوثيقية مع السخرية، يعتمد تكنيكًا يجعل من الوثائق والإعلام الرسمي عنصرين فاعلين ضمن سرد روائي، ثم تتالت أعماله الروائية، فصدرت له رواية "بيروت بيروت" (1984)، في تجربة معايشة للحرب الأهلية اللبنانية، حين ينتقل الكاتب إلى العاصمة اللبنانية بحثًا عن ناشر لكتابه، فيُفاجأ بتدمير مقر دار النشر بسبب الحرب، ويتعرف إلى مخرجة وثائقية ويشتغل معها على سيناريو لفيلم يوثق الحرب بالصور والتعليقات الصوتية.

وفي عام 1992، صدرت لصنع الله رواية "ذات"، التي يغرق قارئها في التحولات الاجتماعية التي عاشتها مصر في مرحلة سنوات الثمانينيات، وتم تحويلها إلى مسلسل درامي أنتج سنة 2013.
وفي العامين التاليين، نشر أعمالًا مترجمة بتوقيعه من اللغة الإنكليزية إلى العربية (رواية "العدو" لجيمس دروت، وكتاب "التجربة الأنثوية: مختارات من الأدب النسائي العالمي" 1994)، ثم أصدر عام 1997 رواية "شرف"، التي يُجمع كثير من النقاد أنها من أهم الروايات العربية بما احتوته من ثيمة مثيرة للجدل، حين تتحدث عن تجربة شاب يدخل السجن بعد أن يقتل، دفاعًا عن نفسه، سائحًا أجنبيًّا حاول الاعتداء عليه جنسيًّا، وما يبدو جريمة فردية يتحول إلى مرآة واسعة تكشف بنية النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي في مصر.

في عام 2000 أصدر روايته "وردة" التي تستند إلى وقائع تاريخية عن حركة "ظفار" في عُمان خلال الستينيات والسبعينيات، مع مزج بين التوثيق والخيال. و"أمريكانلي" (2003)، التي كتبها بعد إقامته في الولايات المتحدة مطلع الألفية، وفيها يضع المجتمع الأميركي تحت مجهره السردي بمنهجه التوثيقي والنقدي نفسه.

في العام ذاته، رفض صنع الله إبراهيم تسلّم جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي عام 2003، معللًا ذلك بسياسات النظام والقمع الثقافي، واحتجاجًا على التطبيع، ثم حصل بعد ذلك على جائزة ابن رشد للفكر الحر عام 2004. 

عاد صنع الله سنة 2005 إلى ومضات من سيرته الذاتية في كتابه "يوميات الواحة"، مُركّزًا على مرحلة الطفولة وتكوين شخصيته، والبواكير الأولى في القراءة والكتابة، ثم مرحلة الجامعة، وبداية انخراطه في العمل الثوري، وخروجِه في المظاهرات، وبداية تشكيل وعيه السياسي وتكوينه الأيديولوجي، ثم يُفرِد مساحة واسعة ليحكي عن تجربته في سجن الواحات أثناء الحقبة الناصرية. وكذلك فعل في رواية "التلصص" (2007)، حين جسّد الحارة المصرية عام 1948، من خلال عيون طفل صغير يبلغ من العمر تسع سنوات، يتجول دائمًا ممسكًا يد أبيه؛ الرجل الكبير الذي تجاوز الخامسة والستين من عمره، بينما وثّقت روايته "العمامة والقبعة" التي صدرت في 2008، وقائع الحملة الفرنسية على مصر. أما في رواية "الجليد" 2011، فاستعاد ذاكرته في مرحلة إقامته في الاتحاد السوفييتي، من خلال إطار سردي روائي يحكي ما عايشه من حيثيات الحياة في المجتمع الروسي آنذاك، ليطلع القارئ على أسباب الانهيار من وجهة نظره.

استذكر أيضاً تجربته في كتابة سيناريو عن نهر النيل طُلب منه من شركة فرنسية عام 1994، لكن ما أعدّه جاء بصورة مغايرة لما تريده المخرجة؛ فظل السيناريو حبيس الأدراج حتى قرر نشره في كتاب "النيل مآسي" بعد نحو ثلاثة عقود.وفي العام التالي أصدر الكتاب رواية حملت عنوان "67"، أي سنة النكسة؛ الحدث السياسي والعسكري الذي يعتبر من الأشد تأثيرًا على حياة الأجيال العربية الراهنة. وفي العام ذاته نال جائزة كفافيس للأدب، التي قبلها واعتبرها منحة مهمة لربطها بين الشعبين المصري واليوناني في ظروف مشتركة عاشاها معًا.

متابعة أعمال صنع الله في سنواته الأخيرة، تومئ للقارئ بأنه أراد أن يمرّ على كلّ النقاط البارزة المؤثرة في التاريخ الحديث للمصريين ويسجّلها من منظوره روائياً ومثقفاً مشتبكاً مع السياسة. وضمن هذا السياق استعاد في رواية حملت عنوان "1970" علاقة الجماهير بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر؛ العمل الذي صدر في 2019 لم يخرج عن التركيبة التقليدية لأسلوب صنع الله، أي المزج بين الحدث والأرشيف الصحافي.

* كاتب وناقد سوري مقيم في فرنسا