صلاح السروي.. سؤال الديمقراطية في تجربة اليسار

11 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 16:45 (توقيت القدس)
غلاف الكتاب (تصميم: العربي الجديد)
+ الخط -
اظهر الملخص
- يستعرض كتاب "اليوتوبيا واليسار وأسئلة الديمقراطية" للناقد صلاح السروي تطور مفهوم اليوتوبيا كحاجة تاريخية للعدالة، من المشاعية البدائية إلى الرؤى الدينية، وصولاً إلى اليسار المرتبط بالعدالة الاجتماعية.
- يناقش الكتاب تجربة اليسار كمشروع لتحرير الإنسان، مشيراً إلى أن الاشتراكية تكمل الديمقراطية، لكن التجارب التاريخية أظهرت غياب التعددية وحرية الرأي، مما أدى إلى سقوط اليسار.
- يسلط الكتاب الضوء على الرأسمالية كصيغة إجرائية للديمقراطية، لكنها تظل منقوصة بسبب إعادة إنتاج اللامساواة، ويختتم بمناقشة أزمة الديمقراطية واليسار في العالم العربي.

يبدأ كتاب الناقد المصري صلاح السروي "اليوتوبيا واليسار وأسئلة الديمقراطية" (منشورات الربيع، 2026) من تعريفات كبرى تشمل معنى اليوتوبيا وأصل الحلم الإنساني بإقامة عالم عادل، وينتهي إلى مُساءلة اليسار العربي. وبين هاتين النقطتين، يستعرض مساراً طويلاً لموقع الديمقراطية بين الرأسمالية والاشتراكية.

يضع المؤلف الأساس المفاهيمي لليوتوبيا بوصفها حاجة تاريخية تشتد كلما ازداد الظلم الاجتماعي. من المشاعية البدائية، إلى المدينة الفاضلة عند أفلاطون، ثم الرؤى الدينية حول الخلاص، يضيء الكتاب على أشكال الحنين الإنساني إلى عالم يخلو من الاستغلال. ويتابع هذا الحنين في عصر النهضة، قبل أن ينتقل إلى القرن التاسع عشر مع تشكّل مفهوم اليسار وارتباطه بقيم العدالة الاجتماعية.

يقدم الكتاب تجربة اليسار، بوصفه مشروعاً لتحرير الإنسان عبر إلغاء الاستغلال وضمان الرعاية الاجتماعية والصحية والأمان الاقتصادي. والاشتراكية، ضمن هذا التصور، لم تكن تعادي الديمقراطية، إنما تكمّلها، إذ تظل حرية الاختيار السياسي جوفاء ما لم تُدعَّم بشروط العيش العادل. غير أن التجارب التاريخية، أظهرت تحوّل مشروع التحرر الاجتماعي إلى نظام مغلق غابت فيه التعددية وحرية الرأي، فسقطت تجربة اليسار مع الصيغ السياسية التي حملتها. وفي هذا السياق، يتوقف الباحث عند تجربة الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية.

في المقابل، تنطلق الرأسمالية، كما يعرضها الكتاب، من وعد الحرية: حرية السوق، وحرية التملك، وحرية الاختيار السياسي عبر صندوق الاقتراع. وهي، بهذا المعنى، تقدم صيغة إجرائية للديمقراطية تقوم على التعددية وتداول السلطة. غير أن هذه الحرية، في منظور المؤلف، تظل منقوصة، لأن البنية الاقتصادية نفسها تعيد إنتاج اللامساواة. فالفرد، حتى لو امتلك حق التصويت، يبقى داخل منظومة تحوّله إلى "ترس" في آلة رأس المال، يعمل لإنتاج فائض القيمة، ويحصل في المقابل على حدّ الكفاية الذي يضمن استمرار دورة الاستهلاك، فالديمقراطية في النظام الرأسمالي مفصولة عن العدالة الاجتماعية. وعلى هذه المفارقة تُبنى المفاضلة الأساسية في فصول الكتاب الخمسة، بوصفها مفاضلة بين نموذجين للعدالة والحرية، لا مجرد صراع أيديولوجي نظري.

أما في ما يخص أزمة الديمقراطية واليسار في المنطقة العربية، التي يخصّص لها الفصل الأخير من الكتاب، فيشير المؤلف إلى ضعف التجذر الشعبي لحركات اليسار، والارتهان لصيغ أيديولوجية مستوردة من دون قراءة الواقع المحلي، كما يشير إلى العجز عن تقديم بديل ديمقراطي مقنع في ظل أنظمة سلطوية واقتصادات ريعية، فضلاً عن تراجع الثقة العامة باليسار مع انحسار المدّ الاشتراكي عالمياً. والكتاب أقرب إلى سؤال مفتوح حول إمكانية إيجاد صيغة حكم تجمع بين الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية، حيث تبقى "اليوتوبيا" أفقاً نقدياً وحلماً إنسانياً.