صحون الحياة الجديدة

23 سبتمبر 2020
الصورة
(عمل تشكيلي للشاعر عبد اللطيف اللعبي)

حياتي الصغيرة

دائمة التلعثم
لسانٌ دائمُ البحث عن الكلمات
وقلبٌ
ملتفتٌ... لا يصل
لأنه لا يسير لمقصد
يسيرُ لينفضَ عنه أحمال الماضي
يحدّث نفسه في الشوارع الغريبة
بلغة الغريب
وفي الشوارع التي تعرفه
باللغة الغريبة

حياتي الصغيرة
يدانِ تغسلان صحونًا تركها الآخرون.


■ ■ ■


الصحون

التي لم أغسلها في مطعم أوروبي صغير
أغسلها في قرية نائية
في العالم الآخر
وحدي
دون مدير غليظ اللسان
أو زميل عنصري
أو مشاجرات مع الزبائن

الصحون
التي لم تتركني أمي أغسلها مرة واحدة
تكومت الآن جبالًا من الوحدة
أزيل عنها الذكريات الجميلة
وأجمعها في جيبي الصغير
ذكرياتي
ما تبقى لي من حياتي الكبيرة
تربّت على كتفي
وأنا
أغسل صحون الحياة الجديدة.


■ ■ ■


عيناي الصغيرتان

لم تملّا المحاولة
في كل ليلة أقول:
غدا أستطيع
وغدُ الأطفال
قمرٌ يلاحقونه
ولا يمسكون به
إلا حين ينمحي

عيناي الصغيرتان
في القرية
كانتا تجالسان عينَيْ جدّي الواسعتين
بحكاياتهما ومداهُما الذي لا يُبلغ
جدّي
حارس القرية
على كُرسيّه المطلّ على دجاجات جدّتي
وأنا
على درجات السلّم
أنظر إلى أكبر حياةٍ عرفتُها
وإلى تلك العينين
اللتين تستطيعان مخالفة أوامر خالي
بالانقياد تحت قبضة القيلولة

عيناي الصغيرتان
كَبُرتا
تلاحقان القمر
بخطوة ضفادع القرية
وتمدّان يديهما قافزتين
لتُلقيا بأعواد الحطب
في مصباح الليل الذابل
حاولتا
أن تلكما في فراغ الحجرة
في مصارعة غير عادلةٍ
بين يدين نحيلتين
وعينين صغيرتين
وصوتٍ لا يقدر على إيقاظ الأهل
ليصارعوا معه ذلك العدوّ الخفيّ
الذي – حتى خالي
ضابط الشرطة-
لا يهزمه
خالي الذي يهزم الأشرار والطيّبين.


■ ■ ■


الغربة

دائنُ الحيِّ
رهنتُ له أصدقائي
وسنوات طفولتي
وأبناء أخواتي الذين لم يولدوا
ليشتري لي مقعدا في قارب الهجرة
وحين عدت إليه بنقودي في جرار الغرباء
أنقدني صورةً لابن أختي الوليد
كلمات من صديقي
رجوته أن يعيرني ضحكته لثلاث دقائق
فرسم لي على ورقة قديمة
-ممسكًا بطرف العصا-
نقطتين وقوسًا
وقال لي: ها هو يضحك لك

الغربة
دائن البلدة
ضحك عليّ.


■ ■ ■


أبكي

لا لشيء عظيم،
لا لملك ضائع،
أو بكاء ابنة جائعة،
لا لثورة مهزومة،
أو لأنني أحمل نعش رفيقي على ظهري،
أبكي
لا لأني رأيت كل ما أملك
يحترق أمام عيني
لا يمنعني أحد من إنقاذه
ولا أستطيع له ضرّاً ولا نفعاً.
أبكي،
كطفل صغير،
أدرك لتوه،
بعد أن عاد من سرحانه في فاترينة الألعاب،
ورمى عينه يمنة ويسرة،
أنه وحده.


■ ■ ■


ظهري لهم

حاملا حقيبة ظهري درعًا أحتمي به،
أرتجف خوفًا من طعنة غادرة،
لا أدري أن أحدًا لا يلحظ هذه النقطة على البحر.
وجهي إلى البحر،
أحمل معطف النجاة وأنا على السور البعيد،
لعل موجة غادرة تمتد فتجذبني لما لا أريد،
لا أدري أنني لو بقيت إلى أن يستحيل البحر كلّه غمامًا،
لن تلتفت إليّ حصاة في قاعه.
أنظر لأعلى،
قلبي يرتجف،
أتمتم:
كيف أفعل وما من عصا في يدي؟


■ ■ ■


حياة صغيرة أيضاً

كلٌّ في مكانه
بما في يديه
لا وقت لحزم الأمتعة
لا أمتعة
يجرف البحر الذكريات
يتسرّب أصدقاء الماضي البعيدون
من بين الأصابع
تتلاشى الكلمات يومًا بعد يوم
تغيب عجلات السيارات عن رمال الشاطئ
تمتلئ الضّفة بجذوع الأشجار
التي حملتها الأمواج من بلاد بعيدة
يُلقي البحر حمله
كحامل حقائب متعب آخر اليوم
الغيوم تصطف يدًا بيدٍ كل مساء
يهرب جزء من جبهة الشمس مرّة كل ثلاثة أيام
يصمت كل شيء
لم تعد الطيور إلى الشاطئ عند الغروب
جاءت آخر مرة أسرابًا بعضها وراء بعض
وارتمت في الماء
كمقاتلي الساموراي المنهزمين
لم أتعلّم لغة الأمواج قبل أن تُغلق المدارس
لكنّ الماء يومئ ألا فرق
يومًا بعد يوم
معًا... سنسكن إلى الأبد.


* شاعر ومترجم مصري مقيم في كولومبيا