شيماء سمير عبد المنعم.... أرشيف مصر البصري في القرن الـ19

05 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 07:33 (توقيت القدس)
غلاف الكتاب
+ الخط -
اظهر الملخص
- المنهج الإثنوغرافي في التوثيق الفني: الكتاب يستخدم المنهج الإثنوغرافي لقراءة الثقافة كـ"نص"، ويركز على قدرة اللوحة التشكيلية في توثيق العادات والطقوس، مع مقارنة صدق التمثيل الفني بالفوتوغرافيا والنصوص التاريخية، مشيرًا إلى أن الصورة قد تقع في فخ التحيز.

- النقد والتحليل لظاهرة الاستشراق الفني: تقدم الباحثة نقدًا لرسامي المقاعد الوثيرة الذين صوروا الشرق بأساليب كلاسيكية دون معايشة حقيقية، وتبرز تيارًا فنيًا يعتمد على المعايشة الميدانية، مثل أعمال ليوبولد مولر وفرانز كوسلر.

- مصر كمسرح للتفاعل الثقافي في القرن التاسع عشر: اختارت الباحثة مصر كمسرح لتطبيق المنهج التفكيكي، حيث أصبحت مركزًا للاهتمام الغربي، وتحولت اللوحات الاستشراقية الخاصة بمصر إلى أرشيف بصري شامل يسجل تفاصيل الحياة اليومية بدقة.

يتخذ الكتاب، الذي حاز في السابع والعشرين من الشهر الماضي جائزة الدولة التشجيعية - فرع الفلسفة وعلم الاجتماع، من المنهج الإثنوغرافي أداة مزدوجة، تعتمد قراءة الثقافة بوصفها نصاً يمكن تفكيكه. فهو يسعى أولاً إلى رصد مدى قدرة اللوحة التشكيلية على التوثيق الإثنوغرافي للعادات والحرف والملابس والطقوس، ثم يختبر درجة صدق هذا التمثيل الفني عبر مقارنته بالفوتوغرافيا والنصوص التاريخية المعاصرة.

وتؤكد الباحثة أن الصورة سلاح ذو حدين، فلها وجه إيجابي يوثق حيوية المعيش اليومي بدقة، ووجه آخر سلبي يظهر حين تقع الصورة في فخ التحيز، أو حين يُعاد تشكيل الواقع وفق تصورات أيديولوجية ومسبقة تصنعها مخيلة الفنان.

وفي هذا السياق، تقدم عبد المنعم نقداً تحليلياً لظاهرة رسامي المقاعد الوثيرة الذين صوّروا الشرق من داخل محترفاتهم الأوروبية دون أن تطأ أقدامهم أرضه، مستعينين بأساليب المدرسة الكلاسيكية التي توهم المُشاهد الغربي بالتوثيق الطبيعي. وتتجلى هذه الرؤية التنميطية في أعمال فنانين مثل جان إنغر وجان ليون جيروم، حيث تحولت المشاهد المتخيلة للحريم إلى رمزية تخدم رغبة المتلقي الأوروبي، مؤكدة أن ما يُرسم ليس بالضرورة ما يُرى بل ما تُراد رؤيته. كما تكشف الباحثة عن رفض الجمهور الغربي الحقيقة الواقعية التي قدمتها هنرييت براون حين صوّرت الحريم بوصفه فضاء عائلياً محشوماً، لمجرد أنها لم توافق الصورة الذهنية النمطية التي اعتادها الغرب.

وفي مقابل هذا الشرق المتخيل، ترصد الدراسة تياراً موازياً اعتمد المعايشة الميدانية والتجربة المباشرة التي تنادي بها الظاهراتية، حيث يتطلب التوثيق الصادق التجرد من الميول المسبقة والانغماس في روح المكان. ويبرز في هذا الاتجاه فنانون مثل ليوبولد مولر وفرانز كوسلر، اللذين انتقلا في أعمالهما من تصوير الشرق باعتباره فكرة متخيلة إلى نقله كمعايشة حية. فقد تحولت اللوحة لديهما إلى شهادة بصرية ورصد ميداني لملامح الحياة اليومية والوجوه والأزياء بعين محايدة تسعى لتسجيل الواقع المادي والإنساني كما هو.

ما رسمه المستشرقون ليس بالضرورة ما يُرى بل ما تُراد رؤيته
 

وقد وقع اختيار الباحثة على مصر في القرن التاسع عشر لتكون المسرح الزمني والمكاني لتطبيق هذا المنهج التفكيكي، بالنظر إلى التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد آنذاك، والتي جعلت منها مركزاً لاهتمام الغرب وبوابة للشرق ومحطاً للحملات الاستعمارية والاكتشافات الأثرية، ففي هذا القرن تزايدت الرحلات الأوروبية إلى مصر مع الحملات الاستعمارية والاكتشافات الأثرية، فأصبحت مسرحاً للتفاعل بين الشرق والغرب، بين الخيال الغربي الباحث عن الأصالة والحقيقة الشرقية المعيشة. وتزامن ذلك مع صعود الاهتمام العلمي بالتوثيق والرسم والدراسة الإثنوغرافية، فبدأت مصر تُرسم وتُصوَّر وتُدرس من زوايا متعددة؛ سياسية وثقافية وجمالية؛ حتى غدت مرجعاً بصرياً وثقافياً لتمثيل الشرق كله.

وتطرح الباحثة تساؤلاً محورياً حول مدى قدرة مصر الفريدة على فرض واقعها المتنوع وأصالتها الحضارية على الفنان الغربي؛ إذ نجد أن كثيراً من اللوحات التي تناولت مصر خلت من مظاهر الاستثارة الحسية ورضخت لطبيعة المجتمع المصري ونيله وأهله ومساجده، مجبرة الفنان على الاقتراب من الحقيقة الواقعية.

ويخلص الكتاب إلى أن اللوحات الاستشراقية الخاصة بمصر تحولت إلى أرشيف بصري شامل لا يقل أهمية عن الوثيقة النصية، كما يتجلى في مدونات إدوارد لين، ولوحات لودفيج دويتش وجيروم لأزياء الطبقات المختلفة. فقد سجل هؤلاء الفنانون دقائق الحياة اليومية من حرفيين مثل السقا، والمشعلجي، وبائع السجاد، وبائع اللبن، إضافة إلى المواكب الشعبية وطقوس الموالد والحج.