سيغورد إلى القدس... طريق ملك النرويج إلى المدينة بعد عقد من احتلالها

10 ابريل 2021
الصورة
شارك الملك النرويجي في إحدى الحملات الصليبية (Getty)
+ الخط -

بعد اثني عشر عاماً من احتلال الصليبيين للقدس في العام 1099 للميلاد، قاد ملك نرويجي شاب يدعى سيغورد (Sigurd) حملة صليبية لدعم المملكة الناشئة في الأراضي المقدسة، ويبدو أن سيغورد نفسه كان حديث العهد بالمسيحية، فثمة أنباء تتحدث عن تعميده خلال زيارته للمدينة المقدسة، وأخذ تعهدات منه بنشر المسيحية في بلاده، بعد تزويده بشذرة من صليب السيد المسيح.


وفاة الملك الأب

تبدأ أخبار الرحلة، والتي دونت في كتاب هيمسكرينغلا (Heimskringla) الذي وضعه الكاتب الأيسلندي سنوري ستورلسون (Snorri Sturluson) حوالي العام 1225، بسرد مختصر لحياة الملك سيغورد، بعد وفاة والده ملك النرويج ماغنوس بيرفوت في العام 1103 ميلادي، حين تقاسم مع شقيقيه، الأكبر أيستين (14 عاماً)، والأصغر أولاف (5 أعوام)، مملكة والدهم. فحصل أبستين على الأجزاء الشمالية من المملكة، وحصل سيغورد، وكان عمره يومها ثلاثة عشر عاماً على الأجزاء الجنوبية. وما تبقى؛ كان من حصة أولاف، تلك الحصة التي وضعت تحت إدارة شقيقيه حتى يكبر.

ويبدو أن تمرداً وقع عند وفاة الملك الأب خلال رحلة استكشافية له إلى إيرلندا، ولكن عندما تم اختيار أبناء الملك ماغنوس ملوكاً، عاد الرجال الذين تبعوا النبيل المتمرد سكوبت أوجموندسون إلى منازلهم. فذهب البعض منهم إلى القدس، والبعض الآخر إلى القسطنطينية؛ وعندما عادوا بعد سنوات، كان لديهم الكثير ليخبروا به الناس. وبفضل هذه الأخبار غير العادية، تحمس الكثير من النرويجيين للقيام بالمغامرة نفسها. ومما لا شك فيه؛ فإن الامتيازات التي كان يحصل عليها الشماليون لقاء خدماتهم العسكرية في القسطنطينية، أو في القدس، والأموال التي يجنونها؛ كانت أيضاً سبباً مهماً من أسباب القيام بهذه المغامرة.


حملة صليبية

بطريقة ما اقتنع الملك سيغورد بالمشاركة في هذه الحملة التي حصلت على دعم المقرضين والتجار؛ فتم تجهيز جيش من خمسة آلاف مقاتل، وستين سفينة انطلقت في خريف العام 1107 ميلادي إلى إنجلترا، حيث كان هنري، ابن ويليام اللقيط النورماني ملكاً. بقي سيغورد مع الملك هنري طوال الشتاء في إنكلترا. وفي الربيع أبحر وأسطوله غرباً إلى فالاند (غربي فرنسا) حيث أقام طوال الصيف، وفي خريف العام 1108 للميلاد وصل إلى غاليسيا، في الشمال الغربي لشبه الجزيرة الإيبيرية، حيث أمضى الشتاء الثاني. ويبدو أن الدوق الذي كان يحكم البلاد قد أخل باتفاقه مع الملك سيغورد، وهو اتفاق يقضي بتزويد الحملة بالمؤن، ولكن؛ نظراً لفقر تلك البلاد، وعدم قدرة الدوق على تأمين مؤونة الجيش النرويجي، فر وترك بلاده، وهو ما دفع بالملك إلى مهاجمة قلعة الدوق الفار، والاستيلاء على ما فيها من غنائم ومؤن، فحملها إلى سفنه واتجه إلى إسبانيا.


معركة مع الفايكنغ

في طريقه إلى إسبانيا قابله أسطول من قوادس قراصنة الفايكنغ، فهاجمهم الملك سيغورد وأخذ منها ثمانية قوادس. وبعد ذلك هاجم قلعة في إسبانيا تسمى سينتر، كان قراصنة الفايكنغ قد احتلوها ونهبوا أهلها المسيحيين، فخاض معركة أخرى معهم، ونجح في طردهم والاستيلاء على القلعة، وقتل كل رجل فيها رفض أن يتعمد. وحصل هناك على غنائم هائلة، يبدو أنها من منهوبات القراصنة.

وبعد ذلك أبحر الملك سيغورد بأسطوله إلى لشبونة، وكانت مدينة عظيمة من مدن الأندلس، نصفها من المسيحيين ونصفها الآخر من المسلمين الذين يسميهم كاتب الرحلة بالوثنيين؛ وهناك خاض الملك معركته الثالثة، ولكن مع المسلمين هذه المرة، وحقق النصر، وحصل على غنائم إضافية، قبل أن يبحر على طول الساحل الأندلسي إلى مدينة تسمى الكاسي (لعلها كاديز قرب إشبيلية)، وهناك خاض معركة ثانية مع المسلمين، واستولى على المدينة، وقتل الكثير من أهلها حتى فرغت من سكانها. وأيضا حصل على غنائم وافرة، قبل ان يتابع رحلته ليصل إلى مضيق جبل طارق؛ وهناك التقى بقوة من الفايكنغ، اشتبك معهم ثم تابع طريقه إلى الشرق، وأبحر على طول سواحل بلاد الأندلس حتى وصل إلى جزيرة تسمى فورمينتيرا، وهي إحدى جزر أرخبيل البليار.


معارك في المتوسط

وجد الملك سيغورد في جزيرة فورمينتيرا الكثير من الوثنيين (المسلمين على الأرجح) وكان المكان محصناً إلى درجة استحالة اقتحامه، حيث كان هؤلاء من القراصنة على ما يبدو، إذ كانوا يتخذون من كهف محصن مقراً لهم. بدأ هؤلاء القراصنة باستفزاز النرويجيين ووصفهم بالجبناء، فوضع الملك سيغورد خطة للصعود إلى الكهف بالالتفاف من الجهة الأخرى، ونجحت الخطة، ونشبت معركة انتحارية مع هؤلاء القراصنة الذين فقدوا حياتهم بطرق شتى، كالاحتراق بنيران الأشجار التي أشعلوها، أو بالسقوط من أعالي الأهوية، أو بالوقوع بين أيدي النرويجيين. ويبدو أن هذا الكهف كان مستودعاً كبيراً للغنائم، فكان أكبر كسب حصل عليه الملك سيغورد من معاركه التي خاضها حتى الآن.

واصل الملك سيغورد رحلته الاستكشافية، وجاء إلى جزيرة تسمى إيفيتسا، وخاض معركته السابعة هناك، وحقق النصر، ثم واصل مسيره إلى جزيرة تسمى مينوركا، وخاض معركته الثامنة مع المسلمين وانتصر. وفي ربيع العام 1109 وصل إلى صقلية، فاستقبله الدوق روجر الثاني بلطف، ودعاه إلى وليمة هو حاشيته الكبيرة، وكان الدوق روجر يبالغ في الاحتفاء به وخدمته، وبعد سبعة أيام، وفي احتفال مهيب أعلن الملك سيغورد أن الدوق روجر يستحق لقب ملك.

وهذه القصة ليست بعيدة عن الواقع، فروجر الثاني كان يحمل لقب إيرل أو دوق، ولم يطلق عليه لقب الملك إلا في فترة متأخرة من حكمه، بعد أن أخضع بوليا وكالابريا والعديد من الجزر الكبيرة في البحر اليوناني.


الإبحار من صقلية إلى القدس

في الصيف؛ أبحر الملك سيغورد عبر البحر اليوناني إلى فلسطين، ونزل في عكا، ومنها سافر براً إلى القدس. وعندما سمع بالدوين، ملك القدس، أن الملك سيغورد سيزور المدينة، طلب إحضار السجاد الثمين وفرشه على الطريق، وكلما كان الملك النرويجي يقترب أكثر كان السجاد يزداد قيمة.

وينقل محرر الرحلة عن الملك بالدوين قوله لشعبه: "الآن يجب أن تعلموا أن ملكاً مشهوراً من الجزء الشمالي من الأرض قد جاء لزيارتنا؛ وثمة الكثير من الأعمال البطولية والأخبار الطيبة قيلت فيه، لذلك سنستقبله بشكل احتفالي؛ إذا ركب مباشرة إلى المدينة، ولم ينتبه كثيراً لهذه الاستعدادات الرائعة، فسوف أستنتج أن لديه ما يكفي من مثل هذه الأشياء في مملكته؛ ولكن، من ناحية أخرى، إذا كان يقود حصانه بعيداً عن الطريق، فلن أفكر كثيراً في كرامته الملكية".

ولكن الملك سيغورد دخل إلى المدينة بأبهة عظيمة؛ وعندما رأى هذا الاستقبال، سار إلى الأمام بشكل مستقيم على السجاد، وأخبر جميع رجاله بأن يفعلوا الشيء ذاته. فاستقبله الملك بالدوين بشكل خاص، وركب معه على طول الطريق إلى نهر الأردن، ثم عاد إلى مدينة القدس التي أقام فيها فترة طويلة حتى الخريف وبداية الشتاء.

وذات يوم أقام الملك بالدوين وليمة رائعة للملك سيغورد وحاشيته، وقدم له هدية ثمينة من الآثار المقدسة، هي في الواقع شظية من الصليب المقدس انتزعت بأمر منه ومن البطريرك، ولكن قبل تقديم هذه الذخيرة المقدسة أقسم كلاهما على أن هذا الخشب كان من الصليب المقدس الذي عُذب المسيح عليه، وطلبا من الملك سيغورد؛ أن يقسم على تلك الشظية بأن ينشر المسيحية في بلاده، وأن يقيم كرسياً لرئيس أساقفة في النرويج إن استطاع إلى ذلك سبيلاً.

بعد ذلك عاد الملك سيغورد إلى سفنه في عكا بصحبة الملك بالدوين الذي كان يستعد لمهاجمة مدينة صيدا. ويبدو أنه أخبر الملك سيغورد بأنه يريد أن يخلصها من أيدي المسلمين، فرافقة الملك النرويجي مع جميع رجاله وسفنه الستين؛ وبعد أن حاصر الملوك المدينة استسلمت بعد وقت قصير، فدخلوها واستولوا على كنوزها، وكان ذلك في العام 1111 ميلادي.


إلى القسطنطينية

وأبحر سيغورد ورجاله شمالاً إلى جزيرة قبرص، وأقاموا هناك فترة، ثم ذهبوا إلى بلاد اليونان، وبقي مع أسطوله مدة أسبوعين في منطقة تدعى إنجليسنيس بانتظار ريح مواتية. وأبحر أسطول الملك إلى القسطنطينية، بالقرب من الساحل، وكان يرى الأبراج والقلاع والمدن الريفية على طول ساحل مرمرة، وبدت أشرعة سفن الأسطول للناس الذين كانوا يراقبون المنظر وكأنها شراع واحد عملاق. وكان الإمبراطور ألكسي قد سمع عن رحلة الملك النرويجي، فأمر بفتح ميناء مدينة القسطنطينية، والذي يسمى برج الذهب، وهو ميناء فخم مخصص للإمبراطور.

وكان الملك سيغورد قد طلب من رجاله أن لا ينبهروا بأي شيء يرونه في المدينة، وهذا ما فعلوه. فأرسل الإمبراطور مغنين وآلات وترية لاستقبالهم بكل عظمة. ويقال إن الملك سيغورد كان يُلبس حصانه حذاء ذهبياً، فسقطت فردة من الحذاء على الطريق، فلم ينظر إليها أحد من رجاله، وعندما وصل الملك سيغورد وحاشيته إلى قاعة الاستقبال الرائعة، وجلسوا مستعدين لتناول الشراب، جاء رسل الإمبراطور إلى القاعة حاملين أكياساً من الذهب والفضة، وقالوا إن الإمبراطور أرسلها إلى الملك؛ ولكن الملك لم ينظر إليها، بل قال لرجاله أن يقسموها فيما بينهم. وتكررت القصة أكثر من مرة، والإمبراطور يرسل الذهب، والملك يقسمه بين رجاله، وهو ما خلق انطباعاً لدى الإمبراطور أنه ملك ثري جداً. وخير رسل الإمبراطور الملك سيغورد بين أن يأخذ ستة أرطال من الذهب أو أن يشهد سباقاً في ميدان الخيل، فاختار سباق الخيل.


العودة براً

يروي محرر الرحلة قصة عن وليمة دعا الملك سيغورد الإمبراطور ألكسي وزوجته الإمبراطورة إليها، وأن خشب الوقود كان مفقودا فاستخدم بدلاً عنه الجوز وهو ما أثار إعجاب الإمبراطورة.

وبعد مدة وجيزة عزم الملك سيغورد على العودة إلى بلاده، ولكن في طريق البر هذه المرة، فأعطى للإمبراطور البيزنطي كل سفنه، ونصب الرؤوس الثمينة التي كانت على مقدمات السفن الملكية في كنيسة القديس بطرس، وفي المقابل أعطى الإمبراطور للملك الكثير من الخيول والمرشدين ليقودوه في جميع مناطق نفوذه، وطلب أن تقام له أسواق في الطريق كي يشتري منها الطعام والشراب هو ورجاله.

وسافر الملك عبر بلغاريا إلى المجر، وبانونيا، وسوابيا، وبافاريا. وفي سوابيا التقى بالإمبراطور الروماني لوتاريوس الذي استقبله بطريقة ودية، وقدم له أدلة في الأراضي الخاضعة له، وأقام له أسواقًا يمكنه من خلالها شراء كل ما يحتاجه في طريقه.

وعندما وصل إلى سليسويك في الدنمارك، أقام له إيرل إيليف وليمة فخمة، وكان ذلك بعد منتصف الصيف. وفي هيدابي، التقى بالملك الدنماركي نيكولاس الذي أمضى معه أواقتاً رائعة، ورافقه شمالًا إلى جوتلاند، وأعطاه سفينة مزودة بكل ما يحتاجه. ومن هناك عاد الملك إلى النرويج واستقبل بفرح عند عودته إلى مملكته.


كتاب الرحلة

مصدر هذه الرحلة التي دونت على شكل ملحمة؛ هو كتاب هيمسكرينغلا (Heimskringla) الذي وضعه الكاتب الأيسلندي سنوري ستورلسون (Snorri Sturluson) حوالي العام 1225، ضمن القصص الملحمية عن ملوك الشمل، الأسطوريين منهم والتاريخيين. حيث انطوت أخبار الرحلة على الكثير من التفاصيل اللطيفة، والحقائق التاريخية المثبتة بمصادر أخرى، مما رفع مصداقيتها إلى درجة عالية. فبالإضافة إلى صحة أسماء الأماكن والملوك التي انطوت عليها الرحلة؛ أثبت مؤرخ الحروب الصليبية وليم الصوري تاريخية رحلة سيغورد، وقصة مشاركته بالحملة على مدينة صيدا، ومشاركته في افتكاكها من أيدي الفاطميين في العام 1111 للميلاد. ولكن وليم الصوري في تعليقه على هذه الرحلة قال: إن الملك النرويجي نزل أولاً في مدينة يافا بخلاف ما جاء في الملحمة بأنه نزل في عكا.

المساهمون