استمع إلى الملخص
- أدب ما بعد الاحتلال: بعد 2003، تأثرت السردية العراقية بالتحولات السياسية والاجتماعية، وارتفع نسق الاحتجاج الروائي على الاحتلال الأميركي، مع غلبة الفانتازيا والغرائبية.
- احتجاجات تشرين وتأثيرها: قبل احتجاجات تشرين 2019، ركزت الروايات على مشكلات الاحتلال، لكن لحظة تشرين ألقت بظلالها على الأدب، مع ظهور أعمال تعبر عن التمرد والاحتجاج على السلطة.
يتسع السرد، سواء في الرواية أو القصة، لثيمات متعدّدة ويقدّمها من وجهة نظر كُتّابها، لكن ثيمة الاحتجاج تبقى مُقلقة، كونها تقع تحت ضغط الراهن، وهذا الضغط قد يقدم نتاجاً استثنائياً أو عادياً غير ناضج.
غير أنّ السرد العراقي واكب التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية، التي تَعدّد الاحتجاج فيها عبر الترميز تارةً؛ لتفادي الرقابة الصدامية، والمباشرة تارةً أخرى، عبر أصوات سردية قصصية وروائية أشارت لنفسها بقوة من خلال ما كتبته من نصوص احتجاجية، وسردية الاحتجاج.
يرى كريم ناجي، في محاضرة ألقاها عام 2019 بعنوان "سرديات الاحتجاج في الرواية العراقية الجديدة" أنّ الرواية العراقية بعد 2003 قد وقعت في مأزق التشابه، خصوصاً في تعاطيها مع الاحتلال الأميركي للعراق وتشخيصها للفوضى التي أعقبت سقوط النظام.
احتجاج متأخر
ينتبه المتابع للسرد العراقي، قصصاً وروايات، إلى أنَّ صوت الاحتجاج قد غاب عن ما نُشِر من مجاميع قصصية وروايات إبان حكم صدام حسين، وهذا طبيعي بفعل الرقابة الأدبية التي فرضتها سياسات البعث الثقافية. واقتصرت الأقلام المحتجة على بعض الأسماء الأدبية التي عاشت في الشتات، ولأن الشعر يحتمل الترميز أكثر منه في السرد؛ عبّر شعراءُ كُثر عن الرفض والاحتجاج بمجاميع شعرية طُبعت داخل العراق بصورة سرية ووُزعت بطريقة الاستنساخ.
أظهر السرد مفردات التمرد والاحتجاج على السلطة ومليشياتها
هذه الرقابة البعثية ألقت بظلالها الثقيلة حتى اليوم. فالروايات التي نُشرت وتُنشر الآن تأخذ من تلك الفترة المأزومة زمناً لأحداثها، وعدد كبير منها تناول حروب النظام السابق الكثيرة، والحصار على العراق، وانتفاضة الشعبانية عام 1991، وتجفيف الأهوار، وأعلن الساردون احتجاجهم ورفضهم المتأخر على هيئة "ثغيب"؛ وهي مفردة شعبية عراقية تعني الصراخ احتجاجاً والبكاء معاً، كما هو عنوان رواية للكاتب العراقي كريم شوقي، صادرة عن مطبوعات اتحاد الأدباء والكتّاب عام 2021.
تتحدث الرواية عن امرأة اسمها شكرية تبحث عن من يساعدها على دفن زوجها، كونها لا تملك أجور الدفن، حتى تستعين برجل أصيب بإعاقة في إحدى حروب صدام، لتدفن زوجها أخيراً في أحد البيوت المبنية بشكل عشوائي وغير قانوني.
تحتفي رواية "ثغيب" بالاحتجاج بطريقة تشتمل على المأساة والتهكّم على سياسات السلطة، بحوارات أقرب إلى طابع المسرح، وبتجريب روائي يحتمل الديستوبيا والكوميديا السوداء حول عدد الحروب التي لا تُحصى، والتي خاضها جبر الواضح، زوج شكرية، لتتداخل الرواية مع زمن ما بعد 2003.
الرقابة السياسية دفعت الأدباء إلى ابتكار رموز وحكايات بديلة
ويستخدم شوقي كريم الفلاش باك لشخصيات الأحياء والأموات بالتنقل بين الزمنين، وهذا ما حدث مع روايات أخرى مثل رواية "قيامة بغداد" (مؤسسة شمس للنشر والإعلام، 2008) لعالية طالب، التي اقتصرت على ثماني سنوات من الحرب مع إيران، واستمر السرد لما بعد 2003، راصدة تشوهات مسّت الهوية العراقية.
الحصيلة السردية القصصية والروائية للاحتجاج كبيرة وكثيرة، لأن فترة الحكم الشمولي البعثي طويلة وزاخرة بالترويع والتجويع، لكن هذه الوفرة الاحتجاجية ضدّه لا تعني ندرة الرفض لحكم ما بعده.
أدب ما بعد الاحتلال
أثّرت التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عصفت بالعراق بعد 2003 على السردية العراقية، وارتفع نسق الاحتجاج الروائي على الاحتلال الأميركي، وفق ما يشير إليه الناقد سمير الخليل في كتابه "روايات ما بعد الكولونيالية - اليانكي: التحولات الفنية والفكرية والثقافية" (منشورات أهوار، 2023)، بأن النتاج الروائي غلب عليه الفانتازيا والغرائبية والعجائبية لشيوع اللامنطقية واللاواقعية في مفاصل الحياة كلها بعد الاحتلال، وظهور أنساق قيمية وطبقية جديدة. واتضح هذا فعلياً في روايات كثيرة احتجت بوجه الدبابة الأميركية ومآلات التحالف، مثل رواية "عمتي زهاوي" لخضير فليح الزيدي، و"الذئاب على الأبواب" لأحمد خلف، و"سيدات زحل" للطفية الدليمي، و"رقص السناجب"، و"تذكرة إلى الجحيم" لعباس لطيف، وغيرها.
ألفان وتشرين أو 2020
قبل أن تتجه بوصلة السرد باتجاه احتجاجات أكتوبر/تشرين الأول 2019، والتي كانت سبباً في استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، كانت القصة والرواية منشغلة بمشكلات الاحتلال وإفرازاته، من الطائفية وإرهاب القاعدة، وظاهرة الجثث المجهولة، والسيارات المفخخة. وخير مثال على ذلك رواية "فرانكشتاين في بغداد" لأحمد سعداوي، وذهب بعض الروائيين باتجاه تبني فرضيات تحالف الاحتلال مع الجماعات التكفيرية، مثل رواية "تراتيل شرقية" لسلام حربة، حتى جاءت لحظة تشرين الفارقة التي ألقت بظلالها الثقيلة على الأدب والفنون، فصدرت رواية "نخلة خوص سعفها كثيف" لداوود سلمان الشويلي، ونوفيلا للقاص مشتاق عبد الهادي بعنوان "الهبوط من المطعم التركي"، والمجموعة القصصية "ثنوه اسم مرفوع، قصص دخانية" لخضير فليح الزيدي، ورواية "تشرين" لوفاء عبد الرزاق، ورواية "تشرين الغريب" لابتهال كسار، ورواية "جمجمة تشرين" لعبد الكريم العبيدي، وغيرها من الأعمال الأدبية التي لم تتوانَ عن إظهار مفردات التمرد والاحتجاج على السلطة ومليشياتها وسياسات قتل المتظاهرين.
إلّا أنّ السرد الاحتجاجي المكتوب تحت ضغط الراهن يعاني معضلة أساسية، حيث وقع بعضها في فخ العادية على حساب الجماليات والبناء الفني، وانسحب السرد أحياناً كثيرة إلى التوثيق، مقابل أعمال قليلة عرفت تجريباً سردياً، وخطاباً واعياً كان بحجم الراهن واستوعب ضغطه.
الضغط الذي مارسته سلطة البعث على الأدب العراقي فرض على الروائيين العراقيين أن يتجهوا إلى الميثولوجيا والتاريخ، كما قدمتها أسماء مثل: محسن الرملي، وفؤاد التكرلي، وأسعد الجبوري، وعالية ممدوح، وجمعة اللامي، ونجم والي، وفاضل العزاوي، وعلي خيون.
من جهة أخرى، يرى الروائي والناقد إياد خضير الشمري أنّ الرواية العراقية بعد 2003 قد اكتسبت هويتها الأسلوبية، وبصمتها اللغوية، وشكلها المعماري الخاص، في أعمال عدة منها: رواية "مقتل بائع الكتب" لسعد محمد رحيم، ورواية "شرق الأحزان" لعباس لطيف، و"خان الشابندر" لمحمد حياوي، و"جئت متأخراً" لعلي الحديثي.