سيرة اسم في "زعفرانة" لهدى النعيمي

30 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:03 (توقيت القدس)
غلاف رواية "زعفرانة" (تصميم العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تأخذ رواية "زعفرانة" القارئ في رحلة عبر الزمن والأماكن، متتبعة شخصية زعفرانة الغامضة التي تبحث عن تمثيل لها في أماكن وأشخاص مختلفين، مما يخلق تداخلًا بين التناسل البيولوجي والإلهام السحري.
- حازت الرواية على جائزة كتارا للرواية القطرية لعام 2025، وتتناول التغيرات التي شهدتها زعفرانة وعائلتها، بدءًا من مغادرتهم الذخيرة إلى الدوحة، مرورًا بالثورة في ظفار، وانتهاءً بتفرق الأبناء.
- تتعمق الرواية في الجانب الروحي والسحري من حياة زعفرانة، حيث ترتبط بكتاب "الغزال" الذي يُعتبر وسيلة اتصال مع الكون، وتُدفن في صلالة تاركة أثرًا من مذكرات ابنتها وكتاب الغزال.

"زعفرانة" روايةُ الكاتبة القطرية هدى النعيمي، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية (2024)، تُقرأ من عنوانها، بما ينطوي عليه تصدير الرواية باسم شخصية من إيحاء بما ينتظر القارئ عن حكاية زعفرانة، وحكاية زمانها، وأمكنتها التي تتوزّع على بلدان عدّة.

بدءاً من الذخيرة، القرية الصغيرة المنسية شمال الدوحة، إلى ظفار في عُمان، وإلى القاهرة وزنجبار والعراق والكويت واليمن وصولًا إلى السويد؛ كلّها أمكنة تصلها زعفرانة ما، أو بعض تلك الشخصية الغامضة التي تبدو أقرب إلى روحٍ تبحث عن تمثيلٍ لها، وعن تجسيدٍ في موضعٍ ما، في بلد، أو في حكاية، أو في أشخاصٍ آخرين قد تناسلوا منها؛ التناسل البيولوجي، أو تناسل الإلهام، الذي ليس في الكثير منه سوى تناسل السحر وابتكاراته.

الرواية الحاصلة على جائزة كتارا للرواية القطرية (2025) تعرض ما يبرّر هذا المذهب من القول؛ أي اعتبار ما تُقدّمه الحكاية بعض ذلك السحر الذي تنطوي عليه القصص الشعبية، لإحدى السيدات التي صنعت من حولها هالة، بدأت بخروجها من قريتها، في أحد أزمنة الدوحة القديمة، رفقة رجلٍ تزوّجته واستقرّت معه في عُمان، مع ما يعنيه الاستقرار من تأسيس بيتٍ بالأولاد، ومن ثمّ خسارتهم.

حكاية شخصية غامضة تبدو أقرب إلى روح تبحث عن تمثيل لها

وقد شهدت زعفرانة هذا المسار التصاعدي الذي تتداخل فيه بطبيعة الحال التغيّرات التي تصنعها الحكاية في المكان، سواء في قطر من خلال مغادرة عائلة زعفرانة الذخيرة إلى الدوحة، أو مع بدء الثورة في ظفار، وصولًا إلى انتهائها. وهو بناءٌ تصاعدي من جهة، ينتهي بتفرّق الأبناء، لكنه في الوقت نفسه بناءٌ مشتّت؛ إذ لا تبني النعيمي حكايتها في إطار مضبوط بقدر ما تبعثرها في مصائر متباعدة، تجتمع بصعوبة في ذهن القارئ، وما يجمعها هو الاستحضار الدائم لزعفرانة، كما لو أنها هي بمفردها الحكاية كلها. وما الآخرون الذين أنجبتهم، أو نشأوا على أطراف حكايتها، إلا بعض ذلك الأثر الذي يبحث عن أصل من غير أن يقع عليه، لأن الحكاية شتّتت ذلك الأصل، وأصبح أصلاً عائماً في سماوات الآخرين، شريداً وملاحقاً. وفي النهاية، أصبح محبوساً في غرفة، أعمى، يحتاج إلى عون. 

هذا الأصل هو زعفرانة، التي نقلها ذووها، مع انتقالهم إلى الدوحة، إلى مستشفى للأمراض العقلية. وهذا المسّ الذي ارتبط بها بقي يظهر بين فصل وآخر؛ مسّ مرتبط بكتابٍ يُدعى "كتاب الغزال"، وهو كتاب سحر، إلا أنه في الوقت نفسه يُحاط بسوء فهمٍ لا تميط الكاتبة اللثام عنه، ولا تُخفّف من حدّته. إذ نرى زعفرانة — مع استخدامها كتاب الغزال، الذي يرد تعريفه في أكثر من موضع في الرواية باعتباره كتاباً يبقيها على اتصال مع الكون، أي بصورة أدقّ مع روح الكون — يَظهر، عبر استخداماتها له، كتاباً مباركاً، يصوّرها أقرب إلى قدّيسة تساعد المرضى على الشفاء، وتساعد الحوامل عند الوضع، كما لو أنها ملاك، كما لو أنها روح طليقة. الأمر الذي يفسّر أيضاً ارتحالها، من جبل النبي أيوب في صلالة، إلى الدوحة من جديد، إلى بلدها. 

وقد خسرت كلّ ذلك البنيان الذي صنعته في عُمان، حتى أنها دفنت في المكان الذي أصبح مزاراً باسمها في صلالة أوراقاً من مذكّرات إحدى بناتها، وبقايا من كتاب الغزال، وما بقي من الحكاية سوى أثر. وسوى زعفرانة الأصل، تسرد النعيمي حكاية عدة شخصيات ورثن اسمها، إذ إن مبتدأ السرد يرتبط برغبة إحدى الشخصيات في اكتشاف سرّ اسمها الغريب، وممّن ورثته.

وإحدى الآلام التي ترافق صالح، ابن زعفرانة الذي نُفي إلى زنجبار، أنه لم يقدر على تسمية إحدى بناته من السيدة في زنجبار باسم زعفرانة؛ فهو اسم غير معتاد هناك. وربما يكون صالح، الرجل الذي أقصته عائلته، وأمضى حياته ينتظر العودة إلى أرضه، أكثر الشخصيات التي حملت سرّ زعفرانة واتّشحت بالمصير ذاته.