سياسة الترجمة

25 سبتمبر 2020
الصورة
من رسومات كتاب رحلات غليفر (Getty)

يشير مترجم "رحلات غلِيفر" (هذا هو العنوان في الترجمة العربية)، إلى أن المترجمين العرب دأبوا على تقديم الكتاب بطريقة توحي بأنه مخصَّص للأطفال فقط، وأنه يتناسب مع عقولهم الساذجة، وأفكارهم الطفولية وخيالاتهم الصبيانية، وأنهم لم يقدّموا سوى ترجمات مبسَّطة ومنقَّحة أو مهذَّبة ومختصرة للرحلة الأولى فقط، أو للرحلة الثانية، وأهملوا بشكل عام الرحلتين الثالثة والرابعة. وقد قامت السينما أيضاً بإنتاج سلسلة من الأفلام عن الرحلات أفرغت فيها الرواية من محتواها السياسي، وأبقت على الحكاية.

واللافت أن المترجم ذاته لا يناقش أسباب تغييب هذا النص عن الساحة الثقافية العربية، وهذا ما يثير أيضاً حزمة من الأسئلة عن أسباب ذلك.

الحقيقة أن من يقرأ الرواية كاملة سوف يكتشف أنَّ وراء التجاهُل العربي لها، سواء من قبل المترجمين، أو دور النشر، أو المؤسّسات الحكومية المهتمّة بمسألة الترجمة والنشر، أسباباً سياسية. (الطريف أنهم ترجموا كتاب "الأمير" لميكيافيللي منذ القرن التاسع عشر)، وهي أسباب تثير الرعب في قلوب الجميع؛ فالكتاب يتضمّن هجاءً لاذعاً بحقّ الحكّام والسياسيّين من خلال تلك الرحلات الأسطورية الخيالية الأربع التي قام بها غلِيفر. 

ويتّخذ الكلام في السياسة منحيَين، الأول هو تقديم السياسي أو الحاكم في ممارساته، وبعض تلك السياسات رعناء حمقاء تنجم عن عقل بارد بليد. وفي كل هذا لا ترى الكاتب هازئاً، بل هو جادٌّ كل الجدّ في الكلام عن أنّ تلك الممارسات التي لا يقبل بها عقل هي أمر طبيعي وعادي في البلاد التي زارها، وكذلك هي في الصور التي قدّمها لملوك تلك البلاد عن السياسيّين في بلاده. ولأنه يدرك تماماً صعوبة تصديق ما يقوله عن الممارسات الوحشية للحكّام، أو المسلك المضحك المثير للسخرية في طريقة حكمهم، وفي تنفيذ الأحكام التي يصدرونها، فإنه يتّخذ تلك الوضعية الجادّة التي لا توحي بأنه يسخر من أحد. بل يريد أن يقول: صدّقوا أو لا تصدّقوا، فإن هذا ما يفعله الحكّام والسياسيّون في بلادنا.

يخال المرء أن ثمّة من يقرأ مطالعات سويفت ويعيد تمثيلها في بلاده

وفي اعتقادي فإن كتاب جوناثان سويفت أكثر قوّة وبلاغة من رواية جورج أورويل "1984". وتبدو رواية "مزرعة الحيوانات" ساذجة وبلا أبعاد مقارنة مع رواية سويفت، وخاصة في رحلته الرابعة إلى بلاد الهوينهم، حيث تسيطر الخيل على الحياة العامة، ويتحوّل جنس يشبه الإنسان إلى وحوش، والأقرب إلى النص هنا هو أن يكون جزءاً من العوالم اليوتوبية التي دعا إليها كبار رجال عصر النهضة الأوروبية.

اللافت في تلك البلاد أن أسيادها من الخيل لا يفهمون شيئاً من تلك الشروح السياسية التي قدّمها غليفر عن طبيعة حكّام بلاده. وفي ذلك العرض يقدم سويفت بياناً هجائياً ساخراً بعمق من كل السياسيّين في بلاده. والطريف أن تلك الصور الخيالية التي يبالغ الروائي في تكبيرها، والسخرية منها، سوف تحدث فعلاً، وتتكرّر في كثير من بلدان العالم، بحيث يخال المرء أن ثمّة من يقرأ مطالعات سويفت، ويعيد تمثيلها على أرض الواقع في بلاده، لا في إنكلترا وحدها، بل في معظم أرجاء العالم المحكوم بالطغمة الفاسدة من السياسيّين.


* روائي من سورية