سلمان رشدي في "الساعة الحادية عشرة"..خماسية عن اللحظة الفاصلة
استمع إلى الملخص
- تأتي المجموعة كأول عمل تخييلي لرشدي بعد الهجوم الذي أثر على بصره في 2022، وتتناول الوعي بالموت والإرث الفني، مع طرح أسئلة حول مواجهة اللحظة الأخيرة والمخاطر الحضارية.
- تتجلى ملامح أسلوب رشدي المتعدد الطبقات في الخماسية، حيث يمزج بين الواقعي والفانتازي، ويستحضر الجسد والذاكرة، مؤكداً على قدرته في طرح أسئلة وجودية دون نصائح مباشرة.
قد يضيق الزمن على الإنسان في لحظة ما ويقترب من حدّه الأخير، فتتقدّم الأسئلة الوجودية الكبرى إلى الواجهة، وتبدو الحياة كأنها تقف على عتبة نهائية. وفي الثقافة الغربية يُستخدم توصيف "الساعة الحادية عشرة" للدلالة على اللحظة الفاصلة قبيل النهاية مباشرة، وهي اللحظة التي ينطلق منها سلمان رشدي في عمله السردي الجديد "الساعة الحادية عشرة: خماسية قصصية" (جوناثان كايب وراندوم هاوس، 2025)، ليغوص القارئ في عالم يختبر فيه أبطاله أقصى درجات التوتر الإنساني.
يكتسب هذا الإصدار أهمية خاصة كونه أول نص تخييلي يصدر للكاتب منذ الهجوم الذي تعرّض له عام 2022 وأفقده البصر في عينه اليمنى، قبل أن يستعيد القدرة على الدخول إلى فضاء المخيلة بعد إنهاء مذكراته "السكين: تأملات بعد محاولة القتل" (2024).
تتألف المجموعة من خمسة نصوص سردية، تشمل قصتين قصيرتين وثلاث نوفيليتس، لتشكّل معاً ما يسميه الناشر "خماسية قصصية". تنتقل أحداثها بين الهند وبريطانيا والولايات المتحدة، وهي البلدان التي شكّلت فضاء الكاتب الثقافي والمعرفي عبر مسيرته. ورغم اختلاف سياقات الشخصيات تتشارك القصص كلها في نظرتها إلى الزمن عند لحظته الحرجة، مستحضرة أسئلة النجاة والهوية والنهاية، والبحث عن المعنى في مواجهة الموت المحتمل.
قصص تمزج الواقعي بالفانتازي وروح ساخرة تواجه المأساة
في "في الجنوب" تتقاطع حياة رجلين مسنّين مع مأساة وطنية عامة، لتطرح أسئلة عن كيفية استيعاب الإنسان للنهاية الفردية والجماعية. وفي "موسيقية كاهاني" تُستعرض حياة بطلة موسيقية تواجه عالماً من الثروة والامتياز والأنانية، مع مزج بين الواقعي والفانتازي، ومناقشة للعلاقة بين الفن والسلطة. ويشير رشدي إلى أن الفكرة تدور حول قوة الموسيقى وتأثيرها المحتمل على الخير والشر، في تذكير بأسطورة "قارِع المزمار" التي تُستغل فيها الموسيقى أحياناً لتحقيق الخير وأحياناً للانتقام.
أما "متأخّر" فتمثّل أول تجربة لقصص الأشباح عند رشدي. يبدأ النص فجأة بجملة صادمة: "عندما استيقظ ذلك الصباح كان قد مات"، ليتطور إلى حكاية عن صداقة غير متوقعة بين شاب وشيخ في كامبريدج، مع تركيز على فكرة "المهام غير المنجزة" والانتقام من الظلم. وفي "أوكلاهوما" يستلهم رشدي عالم كافكا ليخلق شبكة من الخداع والتساؤلات حول موت أو اختفاء شخصية غامضة. أما "الرجل العجوز في الساحة" فهي استعارة مكثفة عن حرية التعبير، إذ يجسّد الكاتب اللغة بصفتها امرأة، لتأكيد قدرتها على التأثير والتفاعل في زمن يتصاعد فيه الخوف من الكلمة والانكشاف.
تتجلّى في هذه الخماسية ملامح أسلوب رشدي المعروفة. سرد متعدد الطبقات. مزج بين الواقعي والفانتازي. روح ساخرة تواجه المأساة من دون إنكار شدتها. ومع تقدمه في السن وتجربته القريبة من الموت، اكتسبت نبرته عمقاً إضافياً يظهر في استحضار الجسد المعرّض للأذى واستدعاء الذاكرة لترميم ما تكسّر مع الزمن، مع ترك مساحة للمفاجأة الإبداعية والاكتشاف أثناء الكتابة.
يشير رشدي في مقابلة مع WBUR إلى أن هذه القصص تتناول الوعي بالموت والإرث الفني، وتطرح أسئلة حول كيفية مواجهة اللحظة الأخيرة، سواء بالسلام أو بالغضب، وهي نصوص عن الفرد في مواجهة النهاية، وعن المخاطر التي تهدد الحضارة في البلدان التي عاش فيها؛ الهند وبريطانيا وأميركا.
ويُعد هذا العمل استمراراً لمسار بدأه رشدي في مذكراته "السكين" من مواجهة صريحة مع أثر الهجوم. والاختلاف جوهري، فالمذكرات نص غير تخييلي يعتمد على الشهادة المباشرة، بينما تنتمي "الساعة الحادية عشرة" إلى الفن السردي التخيلي، لتكون عودته الفعلية إلى الكتابة الإبداعية بعد الجرح واستعادة المخيلة التي ظن أنها أُغلقت عليه. وتؤكد المجموعة، عبر موضوعات الموت والعدالة والفن واللغة، قدرة الكاتب على طرح أسئلة وجودية وشخصية للمقاربة النقدية للحياة والموت، من دون أن تتحول إلى نصائح مباشرة أو دروس أخلاقية.