سعاد لعبيز... عن جحيم ذاكرة طفلة مغتصبة

14 يناير 2026   |  آخر تحديث: 15 يناير 2026 - 00:20 (توقيت القدس)
غلاف "فيوليه.. حيث ينعكس الجحيم" (تصميم العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تقدم سعاد لعبيز في "فيوليه: حيث ينعكس الجحيم" سرداً يعكس أثر العنف على الطفولة، حيث تتداخل الذكريات المؤلمة مع تفاصيل الحياة اليومية، مثل صور الرمان التي ترمز للجسد الطفولي المكشوف.
- تستعرض الكاتبة طفولة موسومة بالخطر، حيث تتعرض البطلة لاعتداءات جسدية وتهديدات، بينما تظل العائلة صامتة، مما يجعل الطفلة شاهدة صامتة على العنف.
- تتحول الذاكرة إلى كتابة تطالب بالاعتراف، حيث تعيد الكاتبة ترتيب العلاقة مع الجسد والمجتمع، مما يجعل النص أداة لفهم أثر العنف وتجربة الصمت داخل الأسرة.

تكتب سعاد لعبيز في "فيوليه: حيث ينعكس الجحيم" من نقطة يصعب على السرد أن يظل فيها محايداً. الذاكرة هنا كيان حيّ، يعود بأدق تفاصيله الجسدية والحسية، ويصرّ على أن يقدم كما يعيش. هذه الحكاية لا تبحث عن إثارة وتجنح إلى تسجيل أثر العنف الذي قد يتسلل إلى الطفولة ويقيم فيها طويلاً، متخفياً داخل أشياء يومية، صور وألوان وروائح، داخل فاكهة تبدو بريئة مثل حبّات الرمان.

صدر النص أول مرة في إبريل/نيسان 2019 في طبعة ثنائية اللغة الفرنسية–العربية عن دار Éditions iXe في فرنسا، ثم عن Éditions Barzakh في الجزائر. ومع بداية 2026، صدر العمل في طبعة عربية حديثة تحت عنوان "فيوليه: حيث ينعكس الجحيم"، معيداً طرح هذه الشهادة السردية أمام القارئ العربي في لحظة ثقافية حساسة.

تستعيد سعاد طفولةً موسومةً بالخطر المتكرر. اغتصاب في سن التاسعة، تحرشات في الحيّ، اعتداءات جسدية وتهديدات في الممرات والشوارع، صمت داخل العائلة، وأمّ تقابل الرعب بالصراخ بدل الاحتواء. هذه الوقائع لا تروى باعتبارها سرداً متتابعاً، بقدر ما تظهر متداخلة، كما تعمل الذاكرة حين تستدعي الألم عبر ومضاتٍ مفاجئة.

ضمن هذه الومضات، تحضر صورة الرمان بوصفه مثالاً بالغ الكثافة. تذكر الكاتبة الرمان، الذي نراه مجرد فاكهة، كجسد مفتوحٍ، كقشرة تنفلق لتكشف لحماً داخلياً هشّاً، رطباً وقابلاً للانتهاك. هذا الاستدعاء يرتبط مباشرةً بتجربة الاغتصاب، حيث يتحول الجسد الطفولي إلى مساحةٍ مكشوفة ويفرض عليه وعيٌ سابق لأوانه بمعنى الانفلاق والفقد. الرمان في النص صورة خرجت من التجربة نفسها، من صدمة الجسد حين يفتح دون إذن ليترك بعد ذلك مثقلاً بالعار والخوف.

تحوّل الذاكرة من عبء صامت إلى كتابة تطالب بالاعتراف والفهم، دون ادعاء الخلاص

تتعدد المواقف في هذه السيرة لتقدم قراءةً عميقةً للذاكرة والجسد. المدرب في حوض السباحة الذي يبدو لطيفاً مع الأطفال يصبح لحظة تهديدٍ صامتة حين يحاصر البطلة وحيدةً داخل مكان ضيق، والنفَس محاصر بين الصدمة والخوف. المشهد يتداخل مع التهديدات في الشارع، ومع إلياس ابن الخالة، حيث تستغل البراءة والصمت داخل العائلة لإخفاء العنف، فتتحول الطفلة إلى شاهدٍ صامت، يراقب جسده يتعرّض للخطر بينما المجتمع القريب، وفي مقدمته الأم، يلتفت بعيداً. 

في هذا الحكي، تتحوّل الأم من حاميةٍ مفترضة إلى رمز للغضب والصمت، حاضرةٌ عند مواقف العنف الطفولي لكنها لا تحمي، تصرخ وتوبّخ، وتجعل الطفلة تختار الصمت لتجنب الخزي أو العقاب. غياب التعاطف والحماية العاطفية يحوّل التجارب الصادمة إلى جراحٍ مفتوحة، بينما تصبح الأم مكوّناً أساسياً في تشكيل ذاكرة الطفلة المؤلمة، إذ يثقل حضورها على النفس ويزيد وطأة الصدمة بمرور الزمن.

هذه الحوادث، المركّبة بين الحاضر والذاكرة، تظهر كيف أن الخطر لا يقتصر على مكان واحد، وإنما يتغلغل في كل زاوية مألوفة للطفولة، بينما الأم تتصرف بعنف لفظي ممتد، ما يدفع الطفلة إلى اختيار الصمت وسيلة بقاء.

الكتابة هنا لا تسعى إلى تطهير رمزي سريع. استعادة الذاكرة تجري بحذر، وكأن الكاتبة تفتح الرمان حبة حبّة، من دون أن تدّعي السيطرة على ما يخرج منه. اللغة في هذا السياق تعمل كمساحة مواجهةٍ مستمرة، تعيد ترتيب العلاقة مع الجسد الطفولي الذي لم تتم حمايته ومع الحيّ والشارع في الجزائر خلال سبعينيات القرن العشرين، حيث الفضاءات المألوفة تتحول إلى مواقع خطر، ومع تجربة الصمت داخل الأسرة التي لم تقدّم الحماية المرجوة. 

السرد يعيد قراءة كل مشهدٍ، من خطوات الطفلة في الشارع، إلى حوض السباحة، إلى لحظات مواجهة إلياس مغتصب شقيقته نورا والراوية، ليحوّل الألم والتجربة الجسدية إلى تحليل دقيق للذاكرة الجمعية والفردية، ويكشف عن تراكم الصدمات التي تشكل وعيها الذاتي في ما بعد. في هذه العملية، تصبح اللغة أداةً لفهم أثر العنف، وفهم العلاقة بين الطفولة والجسد والمجتمع، وكأن الكاتبة تصنع مساحة لحماية الذات عبر كل كلمة.

"فيوليه: حيث ينعكس الجحيم" عمل يضع القارئ أمام نص ثقيل أخلاقياً وإنسانياً يقرأ الاغتصاب وذاكرة الطفولة من الداخل، عبر تفاصيل حسيةٍ دقيقة وصور تخرج من صميم التجربة مثل صورة الرمان المنفلق. في هذا العمل، تستعيد سعاد لعبيز ما ظل حيّاً داخلها، وتحوّل الذاكرة من عبء صامت إلى كتابة تطالب بالاعتراف والفهم، من دون ادعاء الخلاص.

المساهمون