سعاد السالم في "حكايات تكتب نفسها"... الزمن الجداري الصامت
استمع إلى الملخص
- يمتد المعرض من عام 2001 إلى 2025، ويعكس تأثير الزمن على الوجوه والملامح، حيث تتداخل مع الجدران لتصبح جزءاً من اللوحة، مما يرمز إلى الحماية والانتماء.
- تتناول المجموعات مواضيع اجتماعية وإنسانية بعمق، مع التركيز على الموروث والسرد، كما في "عقلاء مجانين" و"حمدة والفسيجرة"، باستخدام الرمزية والتجريد.
البيوتُ هي المفردة التي تُضيء عليها تجربةُ الفنانة التشكيلية القطرية سعاد السالم، في معرضها المُقام حالياً في غاليري المرخية بالدوحة، لا عبر تصويرها أو تأطيرها فحسب، بل من خلال تمثيلها لعالم البيوت؛ بدءاً من الجدران والمشهد الداخلي، وصولاً إلى النساء داخل البيوت، أو في الصورة التي تُعنون بها إحدى مجموعات المعرض: "نساء تسكُنَّ الجدران".
يضمّ المعرض، الذي افتتح مطلع الشهر الجاري ويتواصل حتى منتصف يناير/ كانون الثاني المقبل، مجموعة أعمال تمتدّ زمنياً بين عامَي 2001 و2025، وتتوزّع موضوعاتها على خمس مجموعات: "عقلاء مجانين"، و"حمدة والفسيجرة"، و"نجمة"، و"هل نسكن البيوت أم تسكننا؟"، وأخيراً المجموعة التي تمنح المعرض هويته البصرية والدلالية، وهي "نساء تسكُنَّ الجدران". وتُشكّل هذه المجموعة محوراً لعنوان المعرض "حكايات تكتب نفسها"، إذ ترصد الأثر المتبادل بين الإنسان والمكان، أو العلاقة التي تصنعها النساء مع فضاءاتهنّ؛ حيث يعتزلن، وحيث ينهمكن في أعمالهنّ، وحيث يبنين بيوتهنّ ويؤنْسِنّها.
تفاصيلُ يجدها المتلقّي في تعابير الوجوه المشغولة، كما لو أنّها ارتسامٌ على جدار، أو أثرٌ باقٍ من أصلٍ مُحي في اضطهادات الزمن وعبوره. ملامح غير واضحة، بقيت رهينة الجدار، أو نبتت فيه، لتظلّ طيفاً وإشارة وملمحاً إلى حياةٍ ما؛ إلى تأمّل، أو إلى تجربة أسر داخل الجدران. ارتهانٌ تُصوّره أماراتٌ حزينة، لعلّ أعمق حالات تمرّدها تكمن في خلوّها من التعبير، كما لو أنّها والجدار رسمٌ واحد، أو كما لو أنّ الجدار هو أساس اللوحة نفسها. كأنّ الجدار هو مَن يبقى، وهو مَن يراقب، وهو مَن يتأمّل، ويحتفظ بذلك الارتسام الحزين لعبور ساكنيه، لانقضائهم، لتراكمهم في طبقة من طبقاته، وفي مستوى من مستويات الزمن الجداري الصامت. كأنّ فكرة الجدار، في النهاية، حمايةٌ وملاذٌ، وانتماءٌ لفضاء تصنعه فكرةُ البيوت، لا مجرّد اتّكاء أو وقوفٍ لا مبالٍ أمامه.
تتقاطع في المجموعات الخمس المعالجةُ لموضوعة اجتماعية إنسانية
وإلى جانب هذا المشترك الذي يتمثّل في التكوينات الإنسانية وفضاء عيشها، يظهر في مجموعة "عقلاء مجانين" اشتغالُ السالم على الموروث والسرد، عبر استعادة شخصيات النيسابوري من "المجانين العقلاء". ولو أنّ مذهب النيسابوري في تعريف الجنون يقوم على أنّ "المجنون عند الناس هو من يُسمِع ويسبّ ويرمي ويخرق الثوب، أو من يخالفهم في عاداتهم فيجيء بما يُنكرون". غير أنّ الجانب الذي تُضيء عليه السالم في أعمالها، يرتبط بالخوف بوصفه صورةً جوهرية، ويتجلّى ذلك في تكرار كلمة "الخائف" في عدد من الأعمال، وفي إحداها يتمثّل وجهٌ جزِعٌ تخط السالم حوله قول النيسابوري: "يا ذنوبي عليك طال بكائي". ومع ذلك، تصوّر بعض التكوينات ما يشبه الاحتضان، كما لو أنّ كلَّ محبٍّ خائف.
ويمتدّ الاشتغال على الموروث إلى مجموعة "حمدة والفسيجرة" أيضاً، عبر الحكاية الشعبية بما تنطوي عليه من براءة ونقاء طفوليين، واتّقاد للخيال. وتتقاطع، في المجموعات الخمس، المعالجةُ لموضوعة اجتماعية إنسانية، بعمقٍ وإيجاز، وبتعابير تشكيلية تقوم أساساً على الرمزية والتجريد. وتنتمي سعاد السالم إلى الجيل الثاني من الفنانين التشكيليين في قطر، وتتوزّع أعمالها على عددٍ من المقتنيات الخاصة والمؤسسية داخل قطر وخارجها.