سبتة... ماذا تقول الصنادل العائمة فوق مياه المتوسط؟

15 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 07:03 (توقيت القدس)
"الصندل يكتب يومية الرحيل" لعبد الله بلعباس (حساب الفنان المغربي على فيسبوك)

"إلى أي هاوية ننزلق؟"، ذلك هو السؤال الذي أجاب عنه التشكيلي المغربي عبد الله بلعباس، في لحظة مفعمة بالاندفاع والحماس، من خلال لوحة فنية أطلق عليها "الصندل يكتب يومية الرحيل"؛ وهي مستمدة من مشهد آلاف "الصنادل" العائمة التي تركها خلفهم آلاف الشباب والشيوخ والأطفال الذين اندفعوا باتجاه المنفذ البحري الذين اعتقدوا أنه سيقودهم نحو الضفة الأخرى.

الصنادل تحكي آلاف القصص الحقيقية والممكنة التي تترجم بشيء من التمعن ما وراء "الاجتياح الذي تعرضت له مدينة سبتة المحتلة". كل صندل عائم يروي ببلاغة مفرطة، وعلى نحو لاذع، حياة مستقلة تعتصر الكثير من التفاصيل في أوردة صاحبها. أما الكثافة الديمغرافية للهاربين فهي التي تضعنا أمام "واقعة اجتماعية" كثيفة الدلالة. كل هؤلاء ذهبوا لصيد حياة أخرى حد التورط في الغرق. ليس هناك صلح تام، ما دام الهروب الجماعي يكشف دون هوادة شعوراً جماعياً بأن المصعد الاجتماعي معطل، وبأن البقاء يعني إعادة إنتاج المصير نفسه جيلاً بعد جيل. خاضوا في البحر بأحلامهم وتركوا الصنادل تحكي عنهم رغم الازدراء الوقح للآخر، لأن النداء هو واجب التصدي للانسداد وعدم المداهنة معه. استجابوا كلهم لمنطق جماعي واحد للخروج، رغم أنهم لم يكونوا يعرفون بعضهم بعضاً، ولم يجمعهم تنظيم موحد أو حزب معارض. هذا ما يسميه إميل دوركايم "الوقائع الاجتماعية"، أي تلك القوى غير المرئية التي تدفع الجماعات البشرية إلى أنماط متشابهة من السلوك (يأس المضطر).

صعوبة تأويل هذا الفعل رغم أن العابرين بدوا كأنهم جسد واحد

فمع أنهم اندفعوا جماعياً نحو سبتة، فإن الراغبين في عبور المياه والأسيجة لا يحملون جميعاً القصة نفسها. قد يوحدهم الفعل، وقد يكون الخنجر غير المرئي المغروس في خواصرهم هو نفسه، لكن الأسباب التي دفعتهم إلى خوض تجربة العبور تظل متعددة ومتباينة. هناك من يبحث عن فرصة عمل، وهناك من يهرب من الفقر، وهناك من يرفض وضعاً اجتماعياً يراه مهيناً، وهناك من يسعى إلى تحقيق حلم شخصي، وهناك من ينجذب إلى "قدرية بالألوان" في مكان آخر، وهناك من تدفعه رغبة في الارتقاء عبر مقامرة حاسمة (إما غنيمة سانحة أو خسارة فادحة)، وهناك من يتحرك تحت تأثير الجماعة نفسها. ومن ثم، تأتي صعوبة تأويل هذا الفعل رغم أن العابرين بدوا كأنهم جسد واحد: رجال ونساء، قاصرون وبالغون، أطفال ورضع، وحتى مسنون. الجميع يتحرك في الاتجاه نفسه دون حماسة ناقصة. وهذا ما انتبه إليه ماكس فيبر حين اعتبر أن الفعل الاجتماعي لا يُفهم من خلال مظهره الخارجي، وإنما من خلال المعنى الذي يمنحه الفاعلون أنفسهم لذلك الفعل. الفاعلون الذين، بكثير من الاعتداد، لم يعودوا قابلين للترويض أو الانصهار داخل الجسد الجماعي الذي يتحرك داخل شبكات من القواعد والالتزامات والمؤسسات.


نوع من الاحتجاج

إن أولئك الذين تمردوا على شعور ناشئ بالعار من الانضباط داخل فضاء اجتماعي معلوم يختبرون قدرة الجسد على الانفلات من منطق الضبط والتحكم والاضطهاد (ميشيل فوكو). غير أن لحظات الأزمة تخلق وضعاً مختلفاً، إذ يتوقف الجسد عن أداء وظائفه العادية ويصبح رسالة إلى من يهمه الأمر (السلطة بكل أشكالها). وهنا ننتقل من الجسد بوصفه وجوداً بيولوجياً إلى الجسد بوصفه فعلاً اجتماعياً. وهذا يذكرنا بما كتبه موريس ميرلو-بونتي حين اعتبر أن الجسد ليس شيئاً نملكه، وإنما هو الطريقة التي نوجد بها في العالم. فالجسد لا يعبر عن الفكر فقط، بل ينتج المعنى بنفسه. ومن هذا المنظور، فإن آلاف الأجساد التي اندفعت نحو سبتة كانت تنتج خطاباً جماعياً (نوعاً من الاحتجاج المشوب بالاعتزاز بالنفس) من دون شعارات أو بيانات، ومن دون قيادة سياسية. ذلك أن خلف كل جسد مندفع نحو الماء توجد ضرورات العمل والحياة (حنة أرندت)، وتوجد أيضاً الرغبة في بناء حياة مختلفة، بعيداً عن الفساد المحمي بالتباس ليبرالي متوحش حملته صناديق الاقتراع إلى الواجهة.

إن الراغبين في عبور المياه والأسيجة لا يحملون القصة نفسها

إن الشخص الذي يهرب من الفقر يتحرك تحت ضغط الضرورة التي تفجر داخله الكثير من المشاعر الغاضبة، والشخص الذي يبحث عن فرصة جديدة يريد أن يصنع لنفسه عالماً آخر، لكن اجتماع هؤلاء في لحظة واحدة يحول الأفعال الفردية إلى واقعة تتجاوز أصحابها وتكتسب معنى عمومياً لا يختلف عن رمزية "الصنادل" التي تركها العابرون طافية على الماء. غاب الجسد وبقي الشيء الذي يعبر عنه، وكأن الصندل صار الوثيقة المادية الوحيدة التي تقول إن شخصاً كان هنا، وإنه قرر أن يغادر بلده العاجز عن إنتاج أي يوتوبيا تؤمن له الإفلات من الدمار الفوري.


شاهد على الانكسار

ويبقى السؤال الحقيقي الذي تطرحه الصنادل ليس هو: "لماذا هاجر هؤلاء الأشخاص؟" وإنما: "أي عالم جعل الرحيل الشرط الأكثر قابلية للتحقق على أرض الواقع؟ وأي مجتمع جعل البحر، بكل مخاطره، يظهر لبعض أفراده باعتباره ممراً ضرورياً إلى احتمال آخر أكثر دلالة على "تجاوز لحظة الانفجار"؟ وأي انسداد يجعل الإنسان يبحث عن نبوءة مضيئة خارج المكان الذي يفترض أن يكون فضاء لبناء المستقبل والانطلاق خارج نقطة العطالة؟".

لذلك فإن لوحة "الصندل يكتب يومية الرحيل" للفنان بلعباس لا تنقل يومية الذين عبروا فقط، وإنما تعري أيضاً ضياع الذين بقوا في بلدهم واستمروا، عن عمد، في الانتساب إليه. فكل صندل متروك للسطح يحمل سؤالاً موجهاً إلى المكان الذي تركه صاحبه وراءه. وإذا كان العابر قد اختفى في اتجاه الضفة الأخرى، فإن الصندل بقي هنا، شاهداً على أن شيئاً ما في العلاقة بين الإنسان ومجتمعه قد انكسر إلى غير رجعة. وربما لهذا السبب بالذات تبدو الصنادل في اللوحة بمضامين غفيرة، وأكثر قدرة على الكلام من أصحابها؛ لأنها لا تطالب بشيء، ولا تدافع عن نفسها، وإنما ترخي الحبل على الغارب لقول ما لا يُقال، دون أي استخفاف بدرجة السوء التي بلغها المهمشون أو الحالمون بأرض لا تغور تحت أقدامهم.