سانتياغو زابالا.. الكارثة وفلسفة التحذيرات

11 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:45 (توقيت القدس)
غلاف الكتاب (تصميم العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يقدم سانتياغو زابالا في كتابه "إشارات من المستقبل: فلسفة التحذيرات" مشروعًا فلسفيًا يركز على أهمية التحذيرات كوسيلة لإعادة النظر في أولوياتنا تجاه المستقبل، مستندًا إلى أفكار فلاسفة مثل أمبرتو إيكو وريتشارد رورتي.
- ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام: التحذير الفلسفي، تجاهل التحذير، وتلقي التحذير، حيث يستعرض زابالا تحذيرات فلاسفة مثل نيتشه وفانون وباديو وجيجيك، ويناقش تأثير تجاهل التحذيرات على الأزمات الكبرى.
- يستعير زابالا من جيما كورادي فيومارا أفكارها حول أهمية الإصغاء، داعيًا إلى فلسفة تحذيرية تعيد التفكير في الحياة والمعرفة والحرية، مستشهدًا بأعمال رورتي ودريدا وغادامر.

يقدّم سانتياغو زابالا في كتابه الأخير "إشارات من المستقبل: فلسفة التحذيرات" (منشورات جامعة كولومبيا، 2025) مشروعاً فلسفياً فريداً. التحذير هنا ليس تنبؤاً بالمستقبل، ويختلف جذرياً عنه. فبينما يسعى التنبؤ إلى استشراف المستقبل وما سيحدث فيه، تدفعنا التحذيرات إلى إعادة النظر في أولوياتنا تجاه المستقبل. فالتحذير، إذاً، قد لا يُجنّبنا الكارثة، لكنه يجعلنا نعي حضورها الكامن في واقعنا الراهن من خلال قراءة الإشارات. ويستحضر الكتاب أمبرتو إيكو، الذي يرى أن "الإشارة" لا تُفهم بوصفها إحالة إلى شيء خارجها، بقدر ما تستدعي تفسيراً متجدّداً في ذاتها. كما يستحضر ريتشارد رورتي، تمهيداً لفكرة الكتاب الأساسية، إذ رأى رورتي أن "الإشارات" كانت في الماضي مرتبطة بالأنبياء وحدهم، أما في العالم العلماني الحديث، فقد أصبحت قراءتها في صلب عمل الفيلسوف، إذ لم نعد نملك أنبياء يتكلمون، بل فلاسفة يدعوننا إلى توسيع المخيّلة لفهم ما تُنذر به الإشارات.

وعليه، ليست الإشارات التحذيرية، كما يفهمها زابالا، رسائل آتية من المستقبل، بل رسائل عن المستقبل كامنة في قلب الحاضر نفسه. نحن لا نعيش في أزمنة خالية من الكوارث، بل في أزمنة تُخفي كوارثها. هكذا يفتتح زابالا مشروعه الذي يسميه "فلسفة التحذيرات"، غير أنه، في الآن نفسه، يؤكِّد أن الفلسفة، في موقعها الأنطولوجي منذ نشأتها وحتى هذا اليوم، كانت شكلاً من أشكال التحذير المستمر. فهي لا تبحث عن نظام ولا عن يقين بقدر ما تنبِّهنا إلى ما يُستبعَد عادةً باسم النظام واليقين. فمن بارمينيدس الذي حذّر من انعدام الكينونة الذي يمثّل انعدام الفكر نفسه، إلى هايدغر الذي حذّر من أن تتحوّل الحقيقة إلى شيء يقبل القياس. ومن أوغسطين الذي حذّر من القراءة الحرفية لبعض نصوص الكتاب المقدس، إلى هوسرل الذي حذّر من انهيار الفكر الأوروبي الحديث، تتشكّل سلسلة طويلة من الفلاسفة الذين لم يبنوا أنظمة بل رفعوا إشارات إنذار.

فلاسفة يدعوننا إلى توسيع المخيّلة لفهم ما تُنذر به الإشارات

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام رئيسة: التحذير الفلسفي، تجاهل التحذير، وتلقّي التحذير. في القسم الأول، يركّز زابالا بصورة أساسية على نيتشه، واضعاً إياه في مركز المشهد بوصفه أحد أوائل "الفلاسفة التحذيريين" الحقيقيين. فعبارة "موت الإله"، كما يوضّح، ليست إعلاناً نيتشوياً للإلحاد بقدر ما هي تحذير من الفراغ الروحي الذي سيعقب انهيار المنظومة الدينية بوصفها مرجعية كونية وصعود العلم باعتباره صرحاً ضخماً يهدِّد بتحويل الحقيقة إلى قياس. ويذكّر زابالا بأن هذه العبارة لم تكن من ابتكار نيتشه أصلاً، إذ تعود جذورها إلى اللاهوت اللوثري في القرن السابع عشر. وهنا يربط بين نيتشه وفلاسفة آخرين قدّموا تحذيرات مشابهة من أشكال مختلفة للانهيار أو الأزمات أو الكوارث. فرانز فانون الذي حذّر من أن الاستعمار لن يكون حدثاً عابراً، بل سيتحوّل إلى عدوى تصيب المستعمِر والمستعمَر على حدٍّ سواء. آلان باديو الذي نبّه، وما زال ينبّه، إلى خطر فرض حقيقة واحدة شمولية باسم العقل أو العلم أو الثورة، وهي حقيقة تمحو ما يسميه "ذلك الذي لا اسم له"، أي الفائض الذي لا يقبل الاختزال في نظام كلي. سلافوي جيجيك الذي ينبّه إلى تحوّلات الصراع الطبقي في العالم المعاصر واتخاذه أشكالاً جديدة. بهذه الطريقة، يجمع زابالا هؤلاء الفلاسفة في ما يسميه "الأرشيف التحذيري للفلسفة"، أي ذلك التوجّه الفلسفي الذي لا يقدّم حلولاً نهائية، بل ينبّه إلى الأخطار التي تتهدّد الإنسان كلّما ظنّ أنه بلغ نهايات التاريخ أو اكتمال الحقيقة.

الفلسفة التحذيرية هي تفكير "ترانسندنتالي" من دون ميتافيزيقا

لكن الأهم يأتي في القسم الثاني، حيث يتوجه إلى ما يسميه زابالا "العودة إلى النظام من خلال الواقعية"؛ العودة هنا ليست قراءة للواقع بقدر ما هي ردّة فعل على ما بعد الحداثة التي تُتَّهم، على نحوٍ شائع، بتفتيتها كل مرجعية. وهي، على عكس ما تزعم، لا تنتج استقراراً، بل تعمّق فقدان المرجعيات التي تمكِّننا من تفسير التحذيرات. هكذا ندخل زمناً يُوسَم بـ "الواقعية"، لكنه في الحقيقة بلا سلطة معرفية، زمناً يقتات الخبر الزائف والواقع البديل. وهذا ما جعل أزمات مثل الأزمة المالية عام 2008 أو جائحة كورونا تقع على الرغم من الإشارات والتحذيرات المبكّرة التي صدرت من علماء واقتصاديين. لقد تحوّل العجز عن الإصغاء إلى كارثة فلسفية، فلدينا تحذيرات لكن ليست لدينا القدرة على الإصغاء إليها. يعود زابالا إلى تحذيرات رورتي وستيغليتز ونعومي كلاين من العولمة النيوليبرالية، ليبيّن أن ما وُعِدنا به من سلام وتقدُّم انتهى إلى تفكّك اجتماعي واستبداد سياسي. لقد أصبحت الأزمات الكبرى قادرة على إعادة إنتاج الأنظمة نفسها: بعد 11 سبتمبر 2001 توسَّع الاحتلال، بعد 2008 أُنقِذَت البنوك لا الشعوب، وبعد كورونا تعزّزت قبضة الشركات. هكذا صار أعظم طارئ في عصرنا هو انعدام الإحساس بالطارئ. وفي هذا السياق، يستحضر زابالا فكرة أغامبن حول "حالة الاستثناء"، الممتدة من كارل شميت إلى فالتر بنيامين، والتي توضِّح كيف تستغل الدول الأزمات لتعليق القانون. لكن ما كان استثناء صار اليوم حالة دائمة:  لم يعد ترامب أو بولسونارو في حاجة إلى إعلان الطوارئ، لأن العالم يعيشها أصلاً، في نظام تكنولوجي واقتصادي مستقل عن إرادة الأفراد". هكذا توزَّع السلطة على الآلات والأسواق أكثر مما تُوزَّع على الحكام. في قلب هذا التحليل، يطل هايدغر مجدداً بوصفه أوّل من تحدث عن الطوارئ الغائبة. حين نربط الخير بالاستقرار، يقول، نُخفي الوجود نفسه ونفقد قدرتنا على الانبثاق. البشر اليوم يعيشون في "الطمأنينة الكارثية"، حيث يبدو كل شيء تحت السيطرة بينما الحقيقة تقول إن الطوارئ هي ما يُبقي النظام حياً. 

لا نعيش في أزمنة خالية من الكوارث، بل في أزمنة تُخفي كوارثها

يستمر الكاتب في تتبُّع التحول المعاصر نحو الواقعية، هؤلاء الواقعيون الجدد حاولوا استعادة "العالم الموضوعي الخارجي" المستقلّ عن الفكر، من خلال مفاهيم مثل مقاومة الواقع للتعديل عند فيراريس، و"الشيء المنسحب" الذي لا يمكن اختزاله في الإدراك عند هارمان. لكن زابالا يرى أن هذا التحوّل، على الرغم من طموحه الظاهر، انتهى إلى تحالف غير معلن مع النيوليبرالية التي تستعيد الخطاب الموضوعي لتثبيت سلطتها. فحين يُرفع شعار "الواقع لا يُناقَش"، تُغلق الفلسفة على ذاتها ويُقصى كل نقد باسم الواقع. أمام هذا التحوّل، يدعو زابالا إلى فلسفة لا تسعى إلى التأسيس بل إلى التحذير. وهو يستشهد بأعمال رورتي ودريدا وغادامر وجيجك بوصفهم ممثلي هذا التوجّه. فالتحذيرات لا تكتفي بتوصيف الأخطار، بل تمنحنا منظوراً وجودياً نعيد من خلاله التفكير في الحياة والمعرفة والحرية. ومن هذا المنطلق يقول زابالا إن الفلسفة التحذيرية هي تفكير "ترانسندنتالي"، لكن من دون ميتافيزيقا، لأنها لا تنفصل عن قضايا العصر التقنية والثقافية والسياسية.

أصبحت الأزمات الكبرى قادرة على إعادة إنتاج الأنظمة نفسها

في القسم الأخير، يستعير الكاتب من المحلِّلة النفسية جيما كورادي فيومارا تبصّراتها حول الإصغاء، إذ أوضحت أن الفكر الغربي بُني على هيمنة القول، على سلطة اللوغوس، أي تلك السلطة التي تقول أكثر مما تسمع. إن غياب هذا البعد أنتج ما تسميه فيومارا "اللوغوس المنقسِم"، وهو عقل يتكلم من دون أن يصغي، ما ينتج بدوره ثقافة غير قادرة على سماع أي شيء خارج منظومتها المنطقية، وهو ما تسميه بـ "الإرهاب اللوغوقراطي"، ويحيل إلى استبداد العقل الذي يُقصي كل ما لا يمكن تفسيره أو تصنيفه داخل نماذجه. تقول فيومارا: "الخطر لا يكمن في أن تكون وجهة نظرنا خاطئة، بل في أن تُختَزَل القضايا الكبرى في نماذج صغرى وتفرض عليها لغة تهيمن بدلاً من أن تُنصت. هذا النوع من اللغة، الذي يتوهّم قدرة مطلقة، ويدّعي توسيع المعرفة، يُسكت في الحقيقة الآخرين ويعيد إنتاج البنية السلطوية نفسها التي تدّعي الموضوعية".

* كاتبة ومترجمة سوريّة

المساهمون