استمع إلى الملخص
- يصف سارتر الشعر عند جينيه كفعل تمرّد ومعارضة، حيث يحوّل اللغة إلى فضيحة تخدع المجتمع، ويعتبرها لغة الآخر بعد فقدان معناها الأصلي.
- يوضح الكتاب كيف ينقل خطاب جينيه الشعري عالم المطرودين إلى صورة مزخرفة، ويحلل سارتر جدلية الخير والشر في حياة جينيه، مشيرًا إلى المثلية الجنسية كجزء من تحرّره الشخصي.
لنتخيّلْ أن يُحكم على المرء بأن يكون "شرّيراً" قبل أن ينطق بكلمته الأولى، فيُقرّر بكلّ وعي أن يتبنّى هذا الحُكم ويحوّله إلى "قداسة" من نوع خاص. هذا هو الطقس التمرّدي الذي يُحلّله سارتر في كتابه "القديس جينيه: الكوميدي والشهيد" (دار سطور، 2025) بترجمة جديدة أنجزها كامل العامري. يستعير صاحب "الوجود والعدم" عنوانه من ذكرى القديس والممثل الشهيد جينيستوس الذي عاش في القرن الثالث، ويطرح رؤيةً مركّبة تجمع بين الفلسفة الوجودية والتاريخ الشخصي، حيث يتناول شخصية جينيه (1910-1986) بوصفها نموذجاً للقداسة التي تُبنى من خلال التمرّد والخطايا، ويركز على فكرة الحرية الفردية باعتبارها خياراً أساسياً في تشكيل الذات، حتى عندما يرتبط هذا الخيار بما يصنّفه المجتمع "شرّاً".
كان الكتاب قد صدر أول مرة بالفرنسية عام 1952، وفيه تبدو حياة الشاعر والروائي والكاتب المسرحي مليئة بالتجارب الصعبة مثل السجن والنبذ والسرقة، وهذه التجارب تشكّل نسيجاً يجمع بين البعد الأخلاقي والجمالي في شخصيته، كما تظهر من خلال نثره الذي يصفه سارتر بـ"النثر الزائف" حيث تغدو اللغة سلاحاً لإثارة المجتمع والتشكيك في قيمه. تتداخل في تحليلات الكتاب عناصر الصراع النفسي، ليخلق طابعاً لا يخلو من الدرامية يَفرض على القارئ الاستعداد للغوص في فلسفة سارتر إلى جانب فكر جينيه. يرى الفيلسوف في كاتب النص قصة تحرير مستمرّة، فاختياره في أن يصبح "السارق" يمثّل ردة فعل على إحساسه بالغُربة والنبذ، ورغبته في امتلاك ما يُنكر عليه. هذه السرقة كانت تجسيداً لبحثه عن الانتماء لا فعلاً إجرامياً، كما يُوضّح الكتاب.
سردُ تجربة الصراع بين ما يُفرض على الفرد وما يختاره بنفسه
يرى سارتر أن الشعر الحقيقي عند جينيه هو فعل تمرّد يحمل بين طياته الخُبث والمعارضة، فهو يحوّل اللغة إلى فضيحة تخدع المجتمع الطيّب الذي يطالب بـ"الفن من أجل الفن". هنا، تُضمَن إرادةُ التمرّد الأدبي واللغوي، التي ترتفع بالشعر إلى مستوى يتجاوز الشكل لتصبح حركة ثورية في وجه السلطة. كما تبنّى فهماً مركّباً للغة أثبت من خلاله مواقفه تجاه المجتمع. فبسبب التحولات العميقة التي شهدها المجتمع الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى، فقدت اللغة معناها الأصلي، ما جعل العديد من المفكّرين مثل جورج باتاي يشعرون بنوع من الاغتراب عنها، لكن حالة جينيه كانت أشد جذريّة وديمومة. بالنسبة له، وهو الذي كان غريباً على نفسه، أصبحت اللغة لغة الآخر، ولم يكن لمعناها أيّ وجود إلا عبر هذا الآخر، لذا قال إن "الكلمة هي الآخر".
كذلك يوضح الكتاب أن خطاب جينيه الشعري ينقلنا إلى عالم المطرودين من المجتمع، ثم يحول هذا العالم القاسي إلى صورة مزخرفة، ليختفي في النهاية كلّ شيء ويبقى فقط جمال الشرّ الظاهر. وهذا بالتحديد ما يثير القلق عند أهل الخير لأن وجودهم مرتبط بوجود الشر، فبدون الشر لا يكون للخير وجود حقيقي. من خلال تحليله النفسي الوجودي، يفسّر سارتر كيف أن حياة الكاتب وتجربته الشخصية، بدءاً من طفولته، تشكلت عبر هذه الجدلية، ما يجعل مشروعه الأدبي فهماً عميقاً لصراعات الإنسان مع ذاته والعالم.
تظهر المثلية الجنسية في حياة صاحب مسرحية "الخادمتان" (1947) بوصفها جزءاً من تحرّره الشخصي، حيث اختار تقبُّلها واعتمادها باعتبارها جزءاً من كيانه. هذا الجانب يمثّل بقوّة فلسفة الحرية الجذرية التي آمن بها، والتي تنطلق من رفض القيود الاجتماعية المفروضة على الهوية والرغبة. ينقل العمل من خلال سرد حياة الكاتب والمسرحي الفرنسي تجربة الصراع بين الإرادة والجوهر، بين ما يُفرض على الفرد وما يختاره بنفسه، مؤكداً على التناقض الدائم بين القيم الاجتماعية والحرية الفردية. يشرح سارتر كيف أن جينيه يرى نفسه من خلال نظرة الآخرين، وهو يسعى إلى تحقيق ذات حقيقية رغم القيود المفروضة عليه.