ساراماغو في دمشق: هل يمكن أن يكون العمى أبيض؟

30 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 15:49 (توقيت القدس)
من العرض (العربي الجديد)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تقديم مسرحي مبتكر: في مسرح سعد الله ونوس بدمشق، قدم المخرج نورس عثمان عرضًا مقتبسًا عن رواية "العمى"، معتمدًا على التعبير الجسدي والموسيقى والإضاءة بدلاً من الحوار التقليدي، مما أضفى عمقًا رمزيًا على الأداء.

- إسقاطات اجتماعية وسياسية: تناول العرض موضوع العمى الأبيض كرمز لانعدام الوعي في المجتمع، مشيرًا إلى الفوضى والتمرد ضد السلطة، مما يعكس رغبة في التحرر والانعتاق.

- تفاعل الجمهور وتأثير العرض: تفاعل الجمهور بعمق مع العرض، مشيرين إلى تأثيره الكبير، خاصة فيما يتعلق بالإسقاطات على واقع السوريين، مما يعكس قدرة الفنون على التعبير عن المعاناة.

كيف يمكن للعمى أن يكون أبيضَ؟ تلك إشكالية جوزيه ساراماغو الملتبسة، منذ أن دخل مسرح سعد الله ونوس، في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق الخميس الماضي، يتلمس خطاه بين المقاعد، محاولاً توجيه رأسه باتجاه "المروحة" البدائية، التي كانت تدور مستنزفة طاقتها كي توفر بعض الأكسجين للحضور المحتشد في صالة العرض. مشهد رمزي قدّمه المخرج السوري نورس عثمان ومساعده حسن كحلوس، أخذ أبعاده العميقة، في العرض الذي قدّماه ضمن مشاريع السنة الرابعة في المعهد على مدار يومين (22 و23 يوليو/ تموز الحالي)، مقتبساً عن رواية الكاتب البرتغالي الشهيرة.

لا توجد مكيفات في صالة العرض، لكن عشرة من الممثلين والممثلات الشباب، كانوا في انتظار الجمهور على الخشبة، حيث لا تصفيق ولا استعراض، كأنهم يقولون للقادمين: "فقط اجلسوا"، كي تبدأ بصيرتنا بالانطلاق فيما تظنونه عرضاً يخص العماء. بدا العمل خارج التوقعات، فالأجساد تولّت لغة الحوار، وشحّت اللغة كثيراً، في محاولة لإرباك "الرقيب"، بالاعتماد على الأزياء وحركات الرقص التعبيرية، التي قُدمت باحترافية قياساً بعرض صنعه طلبة يدرسون المسرح.

عطبٌ ما ألمَّ بمدينة ساراماغو الافتراضية، التي تصلح لكل زمان ومكان، ما جعل وباء العمى الأبيض ينتشر بين الناس، حيث المرضى يهيمون على وجوههم بلا ظلال ولا تفاصيل لونية أو رمادية للأشياء، فالبياض يتساوى مع السواد ويصبحان شيئاً واحداً، تبعاً لانعدام الرؤى والرؤيا.

هل يمكن أن تتحول الشعوب إلى قبائل من الزومبي، تسبح هائمةً لا تتمكن من الرؤيا إلا باللمس؟ تلك الإشكالية البصرية، التقطها المخرج، متخلياً عن الديكور، ومراهناً على الموسيقى والإضاءة، أما ما تبقى من عبارات يمكن أن نسمعها بين حين وآخر، فكانت بمثابة افتتاحيات للحالات التفاعلية والنقلات بين المشاهد.

عمل يتكئ على الجسد السوري الذي تحمّل الظلم والانتهاك
 

موسيقى وأجساد ترتجف وتتصارع أو تتعانق وتحب وتغضب. هكذا كان قارئ رواية ساراماغو، يلتقط عباراته بين الأجساد، حيث لا أسماء في المسرحية، لأنها تعني البشر كلهم، ولا اسم للمدينة المنكوبة، لأنها تتجاوز حدود الجغرافيا والهويات. إنه النص الصعب والامتحان، وكان على الفريق أن يتفوق على جسده في الأداء، فأخرس الممثلون ألسنتهم، تاركين الحديث لأيديهم ووجوههم وأقدامهم، كأنهم كتل من اللحم النيء تنهش ذاتها على المسرح، فيما كانت في الوقت نفسه، تشحذ أسنانها في الظل، استعداداً للانقضاض على مندوبة الحكومة التي كانت تلقي الأوامر من منصتها العالية.

استطاع فريق الممثلين الشباب، نبش رواية "العمى"، وتحويلها إلى وحش يلتهم المخيلة بلا رحمة، وكان من الطبيعي ألا نستمع لتصفيق واحد من الجمهور طيلة العرض، فالجميع كانوا مشغولين بملاحقة حدقات العيون وحركات الأجساد، حتى يقبضوا بسرعة على المعنى.

لكن العرض كان أسهل على قارئ الرواية قبل حضور العرض، فالاحتمالات هنا كثيرة، وكل شخصية لها مهمتها بلا اسم صريح أو لوغو، مثل ممثلة الحكومة، والناجية المتضامنة مع المرضى، التي تظاهرت بإصابتها بالعمى الأبيض، لكنها كانت تراقب وترى كل شيء.

تقرر الحكومة بناء معتقل كبير للمرضى، لكن العمى الأبيض ينتشر بسرعةٍ ترعب الحكومة، وكانت الدلالة تقول، إن البياض المطلق لا يمكن أن يكون معزولاً عن النور القادم. هكذا يبدأ الممثلون الشباب بالتمرد، ويصبح المرضى هم الأغلبية، إذ لا يمكن أن يحد من انعتاقهم قيد. وتبعاً للجزء الثاني من رواية ساراماغو، يعتبر ذلك نذيراً بولادة "البصيرة" التي تدفع أكثر من ثمانين في المئة من الشعب، لوضع ورقة بيضاء في صناديق الاقتراع احتجاجاً ورفضاً للسلطة القائمة.

في هذا الفضاء المتداخل، تحتاج مسرحية "العمى"، إلى قراءة بصرية بمعزل عن النص الهامشي الرديف. قراءة تنطلق من سؤال يتعلق بقدرة الجسد على التعبير عن الفكرة من دون أن يتدخل اللسان! هل تبكي الأصابع وتصرخ الأذرع أو تشعر الأقدام بالحنين؟ تلك هي المواجهة الشرسة التي خاضها الممثلون العشرة الشباب، مؤازرين بموسيقى انسجمت مع البناء البصري، رغم أن الديكور البسيط كان مقصوداً، كي يعبر بدوره عن الخواء.

وبالحديث مع الحاضرين، عبّر بعضهم عن تأثّره بالعرض لما يتضمّنه من إسقاطات على واقع السوريين، الذي قد يدفع الفنون إلى إعادة شحذ أدواتها بشكل مختلف، كما فعل نورس عثمان الذي قدّم عملاً يتكئ على الجسد السوري الذي تحمّل العبء الأكبر من الظلم والانتهاك، ولا مجال أمامه للتفريغ إلا هنا، على خشبة مسرح يحمل اسم سعد الله ونوس.