"سأقتل كل عصافير الدوري" لهدى حمد قراءة في المجتمع العُماني

26 مايو 2025   |  آخر تحديث: 06:18 (توقيت القدس)
تأخذ الكاتبة العمانية شكلاً تتوالد فيه القصص من تلقاء ذاتها
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تستند مجموعة "سأقتل كلّ عصافير الدُّوري" لهدى حمد إلى قالب حكائي متسلسل، تتناول فيه موضوعات المرأة وأحوالها الاجتماعية، معبرة عن الألم والشاعرية في الحكايات العمانية.
- تستخدم الكاتبة تناصاً مع قصة شهرزاد وشهريار، حيث تقص حكاياتها على رجل مقيّد، مما يتيح نقداً اجتماعياً للواقع العماني، كاشفة عن العلاقات السامة والنمطية الاجتماعية.
- تمزج المجموعة بين الواقع والخيال، بهدف كسر الاعتياد وتحرير الرجل من تصوّراته المشوّهة، مما يعكس استرداداً وتحرراً للنساء العربيات.

يشيرُ عنوان المجموعة القصصية للكاتبة والروائية العمانية هدى حمد (1981) "سأقتل كلّ عصافير الدُّوري" إلى رغبةٍ في الانتقام. فعنوان المجموعة الصادرة عن "منشورات تكوين"، ينطوي على فعل القتل بصورة مباشرة. لكنه قتلٌ لا ينتمي إلى الجنايات، إنّما نراه قتلاً رمزياً، نشأ في القصّ، ويبحث عن تصاريفَ له ومسوّغات في القصّ ذاته. وموضوع القصص في مجملها؛ المرأة وأحوالها الاجتماعية.

على صعيد الشكل، تأخذ الكاتبة العمانية شكلاً تتوالد فيه القصص من تلقاء ذاتها، كأنما كلّ قصة تدفع القصة التي تليها كي تنطق بمدلولٍ يتقاطع مع ما سبقه. هذا يحدث في معظم القصص التي تقصّها على رجلٍ مقيّد، وقد قيّدته القاصة بنفسها، ثم جعلته يستمع إلى حكاياتها.

سرعان ما يلمح القارئ في القاصة شهرزاد، ويلمح في الرجل المكبّل بالحبال شهريار. إنه تناص لا يشغل القارئ طويلاً لوضوحه من جهة، ولأنه طريقة مثالية كي تقول حمد ما تودّ الحديث عنه من أحوال النساء. أيضاً مع هذا التناص، القاصة لا تروي كي تنجو، إنما كي تكشف. عدا ذلك، تقدّم صاحبة "لا يُذكَرون في المجاز" قصصها على نحو يجعل من الواقع العماني واقعاً سحرياً؛ حيثُ البيت يختبئ داخل الغابة، حيثُ البيت هو بيتُ الغابة، والعصافير ليسوا الطيور التي نعرفها، إنما هُم سكانٌ في الجوار، وهُم رفاقٌ وندماء. وما عَزمُ قتلهم، إلا حيلة لإشهار الحكايات العمانية التي تنطوي على ألم وشاعرية.

تجربة مركبة توظف الشكل واللغة لتقديم نقد اجتماعي

منذ البداية يظهر الخارج عدائياً، إذ حتى الأشجار التي تسوّر المنزل، نعرف أنها زُرعت كي تحمي الزوجة من الغرباء. ونقرأ دلالة ثانية للعنوان ما إن نعرف أنّ الشاب قد عذّب القاصة في طفولتها بأن حشر في فمها عصفوراً محروقاً كي يمنعها عن الصراخ. ثم لتوقع به، ذاته، بعد سنوات طويلة في موعد غرامي بعد أنْ صارَ رجلاً، فتثبته بالحبال وتقص عليه كيف ستقتل عصافير الدوري. وأخالُ أنّ هذا القتل الذي تنبئ به المجموعة، إنما هو قتلٌ قديم، قتلٌ حدث لذواتٍ نتعرّف إليها في قصص هدى حمد؛ ذوات عاشقة، أو توّاقة إلى الأمومة، وهي ذوات أرهقها الحشد؛ أي، أرهقها أن تكون جزءاً من نمطية اجتماعية تغذيها العداوات الصغيرة والنمائم، والخصومات الزوجية التي تظهر في قصة "الغِبطة والتفاهة" أقربَ للتشخيص المرضي لعلاقة سامة من نوع لا يكون فيه حدوث الطلاق سوى اعتراف، ونقل للانفصال من وضع صامتٍ خاص، إلى إعلان يعقبه صفعة الأم لابنتها. 

في قصة "ورق جدران بيت زهرة"، تظهر المرأة أيضاً بديلاً عن امرأة غيرها، إذ يستمر الزوج بمناداة زوجته باسم زوجةٍ ماتت، حتى عندما يغمر جسدها، يعتقد أنه يغمر جسداً آخر، جسداً لم يعد موجوداً. وفي العديد من القصص، يلتمس القارئ ذلك الاحتفاء بما هو مفقود، بما هو عالق، وبما هو صدى لصوتٍ غائر يصعب الوقوع على صاحبه. حتى لكأنَّ القصص غابة من عصافير الدوري، تداخلت أصواتهم. لكن، كلّ قصة تنتمي إليهم جميعاً.

حيلة لإشهار ما تنطوي عليه الحكايات العُمانية من شاعرية

إذاً، ولو أنَّ المجموعة القصصية تستند إلى قالب حكائي تتالت فيهِ القصص وصولاً إلى النهاية التي تحرّر فيها الشابّ، فيعود إلى بيت الغابة بعد أن احتجزته القاصة لنصف نهار، وكأنه كان حبيساً لقصصها وألمها. إلا أنَّ مرجعية المجموعة ليست المخيلة التي ألهمت شهرزاد، إنما الحياة اليومية، وعالم العلاقات الإنسانية التي تنجح هدى حمد في أن تجعل الأشجار والعصافير جزءاً منها. أيضاً ربما تكون قصة "مطبخ العائلة" إشعاراً للقارئ بالجوهر الذي تسعى القصص إلى إظهاره في وجوهه المختلفة، حيثُ تعيش العائلة في المطبخ. والمقصود، ذاكرته العاطفية، أحاديثه، الوئام الذي يكتنفه بما فيه من روائح طبخ الأم، ومن نكهات الألفة، والعيش العادي. 

إذاً، المجموعة تمزج هذين العالمين في متوالية قصصية تقودُ إلى كسر الاعتياد. والأهم، أنّها تجعل من الصيّاد نفسه طريدةً هاربة. والمجموعة بذلك، تجربةٌ فنية مركبة توظف الشكل واللغة لتقديم نقد اجتماعي يصوّر امرأةً عُمانيّة -عبر القص- تُحرّر الرجل من تصوّراته المشوّهة عن عالم النساء. وفنّ القصة هنا، استردادٌ وتحرّر، وتفكيك للبنى التي تحكم حياة النساء العربيات.


* روائي من سورية