- تتسم الرواية بتدرج سردي يعكس انفعالات الشخصيات، مع التركيز على قيم الحب والحرية والشجاعة. تبرز تراجيديا زبيبة في رهانها على ابنها عنترة، مما يضفي عمقاً وأسى على النص.
- تُبرز الرواية دور زبيبة في حياة عنترة، حيث تجترح بطولتها من خلاله. تعكس الرواية رحلة زبيبة من العبودية إلى الحرية، مؤكدة على العودة إلى الجذور كمرتكز أساسي للحكاية.
بدءاً من مفتتح رواية "زبيبة (الجدَّة ماكدَّا)" (الآن ناشرون وموزعون، عمّان، 2025) للكاتب الأردني خالد الجبر، يعرف القارئ ما ينتظره، وهي حكاية "الجدّة ماكِدّا"، الاسم الذي يلي، أو ينوب عن اسم زبيبة في العنوان. والنصّ يتحدث عن أمَة، عن امرأة أُخرِجَتْ من الحبشة، ثم عادت إليها. وعلى الرغم من هذا الاختزال لقصة الرواية، بمبتدئها وخاتمتها، إلا أن النص يترك قارئه مشدوداً بحيلةٍ ما، ربما تكون مهارة السرد، وربما الهوس بالحرية، أو ربما معرفة القارئ، منذ البداية، أنّ زبيبة التي يقصّ الجبر حكايتها هي والدة عنترة بن شدّاد.
يستهلُّ النص برحلة إلى السودان عام 1951، يقوم بها أكاديمي ومختّص بتحقيق المخطوطات، يوقّع بحرفين، وهما "أ. ع". لكن بعد رحلته تلك التي قادته إلى الحبشة، مع دليلة إثيوبية من أصول عربية، لا نعرف عن أ. ع شيئاً، إلا أنه كتب النص الذي سنقرأه، في نهاية الخمسينيات. والحكاية برمّتها تعود إلى العرب، متمثلين بعمرو بن شدّاد، ومالك بن زهير، وبحرب داحس والغبراء، وغير ذلك من مفردات تلك الأزمنة، حيث الثأر والحرب والجواري، والقسوة التي تظهر لصيقةً بالصحراء. أيضاً، ما يترك القارئ مترقّباً هو عنترة بن شدّاد نفسه، حيث يعرض الجبر احتمالاتٍ أو ممكنات عدّة للسرد، ولما يمكن أن يكون ذروة الحكاية، وهي ذُرى تتحدّد بما يودّ النص أن يُسائله؛ إن كانت حكاية زبيبة-الأم، قد تكون ولادتها عنترة إحدى أكثر إشراقات حكايتها، وإن كانت حكاية زبيبة-الأمَة، فقد تكون حرّيتها إحدى تلك الذرى السردية. وبالمثل بالنسبة إلى عنترة، ربما يكون حبّه لعبلة بنت مالك، ومن ثم تتويج ذلك الحب بالزواج، وربما يكون اعتراف القبيلة به فارساً، أو بالأحرى اعتراف عمرو بن شدّاد بأبوّته له، هي لحظة الانقلاب المركزيّة في القصة، وذلك عندما أغار قومٌ على العبسيين، وساقوا إبلهم، لحقهم العبسيون، وكان عنترة معهم. قال له أبوه: "كرّ يا عنترة"، فأجابه: "العبد لا يحسن الكرّ"، عندها قال له أبوه: "كرّ وأنت حرّ"، فقاتل عنترة قتالاً شديداً، واستنقذ الغنيمة، فاعترف به أبوه وألحقه بنسبه.
تصبح عودة زبيبة إلى أهلها، لا الحرية، هي مرتكز الحكاية وسؤالها
والنص يسير بهذا التدرّج، الذي يتضمن انفعالات الشخصيات، إشراقها ولحظات انكسارها وصمتها، إذ تنطوي الحكاية على لحظات إنسانية ترتبط بقيمٍ كبرى، مثل الحب، ومثل الحرية والشجاعة، وهي نسجٌ متماسك بين هذه القيم. الثراء الذي تتضمنه الرواية يتأتّى من انفعالات زبيبة، من أمومتها، من رِهانها على ابنها، وهو رهان، مثل أي تراجيديا كبرى، يكتنف خسارته، أو بصورة ما، هي تراجيديا تنادي على ذاتها، ويحقّقها الجبر من داخلها، باشتراطاتها الحكائية نفسها، إذ إن قصة عنترة في جوهرها مأثرةُ انتزاعٍ لمكانة، تسيُّدٍ بالبسالة والسيف، وفق مفردات ذلك الزمن، التي يحاكيها نص الجبر.
مع أن النص يقدم الرواية مخطوطاً يعود إلى سنة 1892، وقد وجده أ. ع عبر دليلته الإثيوبية، إلا أنه يبقى ما يرد فيهِ، ترجيحاً لرواية تاريخية على أخرى، وقد ملأ الجبر تلك الفراغات السردية، أو الانقطاعات، بما يجعل نصّه مشغولاً ببُعده الإنساني، الذي ينطوي على أسى وعلى حسرة، وكذلك على نوعٍ من اليقينات التي تقوم بها الشخصيات بصورة مغلقة، عبر مقولات الحكمة، التي يمتلئ بها النص. وعودة زبيبة إلى الحبشة، عدا عن أن الصفحات الأولى تخبرنا بهذا، تصبح نوعاً من النبوءة، من الحتمية السردية، وتصبح العودة بصورة ما نهاية المصير ومُرادَه.
تنطوي الحكاية على لحظات إنسانية ترتبط بقيمٍ كبرى، مثل الحب
ومع رجوع زبيبة/ الجدة ماكدّا إلى أهلها، هاربة بريحانة؛ تصبح العودة، لا الحرية، هي مرتكز هذه الحكاية وسؤالها. وإن كان لعنترة حضوره، طفلاً أسود البشرة، ينكره والده، ثم راعياً يعتكف عن صحبه، تحت شجرة السدر، بصورة شاعرية، وعاشقاً أحبَّ عبلة، وفارساً في قبيلته، ثم أباً، ثم اختفائه وموته. إلا أنَّه مع هذه الأدوار الدرامية، التي أضاءها نص الجبر بصورة اختزالية بارعة، مع اختيار لحظات مشبعة بالوجدانيات، مع كل صولات عنترة، فإن زبيبة تجترح بطولتها من داخل بطولة عنترة. أو باستخدام كلمات الرواية نفسها، تدرك زبيبة في أسلوبها ونجاتها أن "أخطر المعارك حين يجلس الإنسان وحده، ويسأل: من أنا؟". مع أن زبيبة، أخبرت وليدها بأنّها لم تنجبه "عبداً"، إنّما "نداءً". لكن نداءها يبقى رجعاً إلى الماضي، حيثُ كانت حرّة، واسمها ماكدّا.